dimanche 3 juillet 2011
by محمد الرزوقي
لقد تم حسم مسألة حرف كتابة اللغة الأمازيغية سنة 2003 لما أدمجت في المدرسة العمومية بالشكل الذي يعرفه الجميع. وها هي أصوات تعيدها اليوم إلى حلبة النقاش بمناسبة مراجعة الدستور الذي اعترف بالأمازيغية لغة رسمية. من بين هذه الأصوات من يتجرع مرارة دسترة الأمازيغية وهو ينتظر القانون التنظيمي لمراحل تفعيل طابعها الرسمي كما نص عليه الفصل الخامس من مشروع الدستور الجديد.
من ذلك ما جاء على لسان السيد عبد الإله بنكيران أمين عام حزب العدالة والتنمية في المهرجان الخطابي لفعاليات الإصلاح الديمقراطي المنظم بالرباط يوم 19 يونيو 2011. من بين ما قاله الخطيب أن وضع سؤالا على الحضور اعتبر أن الجواب عنه سيأتي في إطار مناقشة القانون التنظيمي المذكور أعلاه. يقول السؤال ما معناه : هل سنكتب الأمازيغية بحروف تشبه “الحروف الصينية” أم بحروف عربية كهذه (مشيرا إلى تلك التي كتبت بها بعض لافتات المهرجان الخطابي)؟
من الظاهر أن السيد عبد اإله بنكيران يجهل كل شيء عن هذه “الحروف الصينية” التي يتكلم عنها. فليسمح لنا أن نعطيه نبذة حول الكتابة الأمازيغية التي سيكون لها مستقبل في المغرب كما كان لها ماض عريق. فهذه الكتابة تعرف عند المتخصصين بالكتابة الليبية Libyque أو الليبية-الأمازيغية Libyco-berbère أو حرف تيفيناغ وهو الأكثر تداولا اليوم. ومنذ أن اكتشفت أولى شواهدها المنقوشة على الحجر في القرن السادس عشر الميلادي و تم التعرف على استعمالها عند قبائل الطوارق في الصحراء الكبرى ربط كثير من الباحثين أصولها بمناطق مختلفة من المعمور كما كان الأمر تماما بالنسبة للأمازيغ أنفسهم. ومن أسباب ذلك النظرة الاستعمارية لشمال إفريقيا السائدة حينئذ بين باحثين أغلبهم أجانب وكذا كون دول شمال إفريقيا بعد الاستقلال لم تعر أدنى اهتمام لهذا الجانب من تاريخها وتراثها بالبحث والتنقيب, بل على العكس, تم إقصائها تماما من برامج جامعاتها ومراكز بحثها ومدارسها. لهذه الأسباب لم يكن غريبا أن تقترح أصول أجنبية مصرية قديمة وفينيقية وإغريقية وعربية جنوبية للكتابة الأمازيغية.
لكن في نهاية القرن العشرين، اهتدى ثلة من الباحثين الغيورين بفضل إمكانياتهم الخاصة إلى أن الكتابة الأمازيغية ترتبط أشد الارتباط بالفن الصخري المنقوش والمصبوغ على الحجر وفي الكهوف والمغارات والمتواجد في كافة بقاع شمال إفريقيا جبالها وصحاريها كتدرارت أكوكاس بليبيا وتاسيلي وأهݣارو الأطلس الصحراوي بالجزائر وأيروأزواد بمالي والنيجر والهضاب الشرقية والأطلس الكبير والصغير والمناطق الصحراوية وشبه الصحراوية بالمغرب وصحراء موريتانيا، بل وجزر الكناري في المحيط الأطلسي. ومن هؤلاء الباحثين مليكة حشيد وسالم شاكر وسليمان حاشي بالجزائر وأحمد سكونتي والمصطفى نامي وعبد الخالق لمجيدي بالمغرب. ومن جميل الصدف أن كان أول كتاب طبعه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2003 كتابا حول أصول الكتابة بالمغرب للباحثين المغاربة الثلاثة المذكورين أعلاه و تزامن صدوره مع اعتماد حرف تيفيناغ لكتابة اللغة الأمازيغية سنة 2004. وقد تبين لهؤلاء الباحثين أن كتابات تيفيناغ المنقوشة والمصبوغة على الحجر والمتناثرة على نطاق واسع في المغرب من الأطلس إلى الحدود الموريتانية انبثقت خلال نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد من خزان من العلامات والرموز المرتبطة بالفن الصخري والتي استمرت في تزيين منتوجات الثقافة المادية للمغاربة إلى اليوم من معمار ونسيج وحلي وأوان وأسلحة وغيرها. فالكتابة مثل تلك الرسوم الهندسية يمكن اختزالها في ثلاثة أشكال أساسية هي النقطة والمقطع والدائرة. وقد استعملت هذه الكتابة في الممالك الأمازيغية ما بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الثاني أو الثالث بعد الميلاد. وبينما انقرضت لأسباب مجهولة حوالي القرن الرابع أو الخامس الميلادي استمر استعمالها وتوارثها لدى قبائل الطوارق الأمازيغية حتى اليوم.
كل ذلك موجود في كتب الباحثين التي يجهلها الجمهور العريض لقلة انتشارها وكتاباتها بلغات أجنبية وعدم تشجيعها من طرف دول شمال إفريقيا منذ عقود. ومع ذلك، فإن يدلي أمين عام حزب كبير لديه من الإمكانيات المادية والبشرية ما يمكنه من الوصول إلى هذه الحقائق التاريخية لهو أمر غير مقبول. يبدو أن السيد بنكيران ومن يحدو حدوه قليل التجدر في تربة هذه البلاد لدرجة تجعله يستهزأ بكتابة تيفيناغ التي تعد تراثا لسكان شمال إفريقيا عموما والمغرب خاصة تم إهمالها لقرون. واليوم وشرائح واسعة من المواطنين يطالبون برد الاعتبار إليها يدركون أشد الإدراك ما لفقدانها من خطر على التراث الوطني ومن تقليص للتعدد الثقافي الذي تدعو له وتحميه اتفاقية منظمة اليونسكو لسنة 2005 والتي يستعد المغرب للمصادقة عليها.
يبدو كذلك أن هذا الخطاب يلعب على الوتر الشعبوي من خلال الاستهزاء بتيفيناغ وتشبيهها ب “حروف صينية” والاستهزاء بكتابة حضارة قوية وعريقة كالحضارة الصينية المتشبثة بحرفها التاريخي كرمز لتجدرهويتها. ويفهم من المقارنة الرغبة في الإشارة إلى الفكرة الواسعة الانتشار والتي مفادها أن كل ما هو صيني هو بعيد وغريب وأن كتابتها ولغتها معقدة مع أن الناس يقبلون اليوم على تعلمها في الدار البيضاء لما تفتحه لهم من مستقبل مع العملاق الآسيوي. كما تلعب المقارنة على وتر الفكرة الشائعة حول نقص جودة “السلعة الصينية” لتضفي على كتابة تيفيناغ نفس الخاصية أو ما شابهها.
يمكن تفهم أن تبدو كتابة تيفيناغ مثيرة للدهشة لدى كثير من المغاربة ولو أنها ولجت تدريجيا المدرسة العمومية منذ 2003 واليوم لها حضور في التلفزة. لكن من المجانب للصواب ربط ذلك بالكتابة نفسها وليس بخيارات الدولة المغربية منذ الاستقلال من خلال إبعاد الأمازيغية وكتابتها التاريخية من التعليم والأعلام والحياة العامة. وما يدحض هذا الرأي يتمثل في السهولة القصوى التي يتعلمها بها التلاميذ الذين كان لهم هذا الحظ منذ 2003, سهولة يمكن تفسيرها, من بين عوامل أخرى، بكون تيفيناغ كتابة سهلة يتقابل فيها صوت واحد بحرف واحد دونما حاجة إلى شكل أو حركات أو علامات زائدة. كما أن اعتماد تيفيناغ سيحفظ المجهود المالي والبشري والعلمي الذي يخصصه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية منذ سنوات لتقعيد اللغة الأمازيغية باستعمال كتابتها التاريخية. وقد مكنت هذه المجهودات كما هو معلوم من إدماج حرف تيفيناغ في المعلوميات والأنترنيت باعتماد واعتراف المنظمة الدولية للمعيرة ISO-UNICODE منذ 2004.
وأخيرا، فإن وضع كتابة تيفيناغ في سياقها التاريخي والثقافي يسهل فهمها وتبنيها من طرف عموم المغاربة. هذه كتابة موجودة حولهم شديدة الارتباط بثقافتهم المادية في المعمار التقليدي والحلي والوشم والأواني الخشبية والمعدنية وغيرها. ويكفي الانتباه لذلك كي نعترف أن هذا الحرف يضفي تميزا وتفردا على المغرب كما هو الحال في الدول التي احتفظت بأبجدياتها أو أحيتها كاليابان والصين واليونان والهند وأرمينيا وإسرائيل وغيرها.
أحمد سكونتي
أستاذ باحث بالمعهد الوطني لعلوم الآثار و التراث
by محمد الرزوقي
فتح ورش تعديل الدستور وفتحت معه عدة ملفات للنقاش الفكري والسياسي. ومن بين الملفات المفتوحة للنقاش ملف السياسة اللغوية وخاصة ما تعلق باللغة الأمازيغية.
وشكل موضوع دسترة الأمازيغية من عدمه مجالا لتباين الرؤى والمواقف فضلا عن طبيعة تلك الدسترة بين جعلها لغة رسمية أو جعلها فقط لغة وطنية.
لتسليط الضوء على هذا الموضوع اخترنا أحد الوجوه الأمازيغية وفاعل في المجال اللغوي، وهو القيادي الإسلامي المعروف بقناعته بضرورة دسترة الأمازيغية كلغة رسمية الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية.
العثماني أكد في هذا الحوار أن أهم الأسس التي يرتكز عليها دعاة دسترة الأمازيغية كلغة وطنية، اعتراف بأقدم مكون من مكونات الهوية الوطنية. وهو أيضا اعتراف بواقع لا يمكن الاستمرار في إنكاره. وبالتالي فإنه، حسب العثماني، من الضروري أن يعكس الدستور هذا التعدد في مكونات الهوية الوطنية، مضيفا أنه لا يمكننا الحديث عن الديمقراطية وفي نفس الوقت نقصي الأمازيغية ثقافة ولغة عن الاعتراف الدستوري بها.
كيف تقرؤون مطالب اعتماد الامازيغية لغة رسمية للبلاد؟
إنه مطلب قديم نسبيا للحركة الثقافية الأمازيغية، وقد ازداد المطالبون به مع ظهور فشل إدماج الأمازيغية في التعليم، على اعتبار أن عدم وجود مقتضيات دستورية وقانونية تجعل المسؤولين في حل من الالتزام بأي برامج في هذا المجال. وقد ظهر فعلا أن هناك من لم يهتم بإنجاح ورش تعليم الأمازيغية واعتبره عبئا لا واجبا وطنيا.
في اعتقادكم ما هي الأسس التي يعتمدها دعاة الدسترة؟
أهم تلك الأسس أن الأمازيغية لغة وطنية، تحدث بها المغاربة منذ حوالي ثلاثين قرنا، فدسترتها اعتراف بأقدم مكون من مكونات الهوية الوطنية. وهو أيضا اعتراف بواقع لا يمكن الاستمرار في إنكاره، واقع وجود وعمق الثقافة الأمازيغية في بلدنا. وبالتالي فإنه من الضروري أن يعكس الدستور هذا التعدد في مكونات الهوية الوطنية.
ومن تلك الأسس أيضا لا يمكننا الحديث عن الديمقراطية وفي نفس الوقت نقصي الأمازيغية ثقافة ولغة عن الاعتراف الدستوري بها. فالانتقال الديمقراطي المنشود في مغرب اليوم لن يكون سليما وحقيقيا إلا بإقرار البعد الأمازيغي في الدستور والاعتراف فيه باللغة الأمازيغية لغة رسمية باعتبارها مرتكزا رئيسيا في الثوابت الوطنية وجزءا أصيلا وأساسيا من الشخصية المغربية ورافدا من روافدها تاريخيا وثقافيا ولغويا. من تلك الأسس أيضا أن غياب السند الدستوري هو من بين الأسباب الرئيسة لعدم إعطاء الأمازيغية مكانتها ثقافيا وتعليميا وإعلاميا ولغويا حتى الآن، ولعدم نجاح كثير من برامج النهوض بها.
كثيرة هي الدول التي تعتمد أكثر من لغة رسمية لبلدانها لكن هذه اللغات تكون جهوية وتتفق على أن اللغة الرسمية واحدة كيف ترون هذه التجارب كالمطبقة في الهند وإسبانيا؟
الدول التي تتوفر على أكثر من لغة رسمية واحدة كثيرة جدا تبلغ العشرات عبر العالم. لكن تجاربها متنوعة. فهناك فعلا بلدان نصت في دساتيرها على أكثر من لغة رسمية، لكن أقرت بعضها بوصفها لغات جهوية. وذلك مثل إسبانيا حيث اللغة الكتالانية رسمية في إقليم كاتالونيا فقط. وهناك نموذج آخر في بلجيكا حيث للدولة ثلاث لغات رسمية هي: الهولندية والفرنسية والألمانية. وتشير الإحصائيات إلى أن 60% من البلجيك هم من الناطقين بالأولى، و 40% من الناطقين بالثانية بينما ليس هناك اليوم إلا حوالي 1% من الناطقين بالألمانية. وهذا معناه أن هناك عناية بدسترة حتى اللغة التي ينطق بها عدد ضئيل جدا من المواطنين. والأمر غير الصحي في التجربة البلجيكية هو أن الدستور ينص صراحة على أن هناك أربع مناطق لغوية هي: المنطقة اللغوية الهولندية (=الفلامانية)، المنطقة اللغوية الفرنسية، منطقة بروكسيل العاصمة المزدوجة اللغة (فرنسية-هولندية)، والمنطقة اللغوية الألمانية. وعلى الرغم من أن اللغات الثلاثة لغات رسمية متساوية على المستوى الفدرالي، إلا أن كل واحدة منها لغة رسمية وحيدة في منطقتها الرسمية. وهذا ما أدى إلى الصراعات المعروفة بين المنطقة الفلامانية الناطقة بالهولندية، والمنطقة الوالونية الناطقة بالفرنسية.
لكن هذا النموذج للغات رسمية مركزيا والمنفصلة من حيث امتدادها الجغرافي محليا ليس هو الأصل في تعدد اللغات الرسمية. فدستور جنوب إفريقيا ينص على أحد عشر لغة رسمية، لكنه يفرض بالنص الصريح على الحكومة الوطنية والحكومات المحلية استخدام اثنتين على الأقل من تلك اللغات.
وهناك في كندا لغتان رسميان هما الانجليزية والفرنسية. وتنص المادة 16 من الدستور على أن لهما وضعية وحقوق وامتيازات متساوية من حيث استعمالهما في مؤسسات برلمان كندا وحكومتها.
إن وفرة التجارب الدولية في هذا المجال مفيد جدا لأنه سيمكننا من أن ننسج نموذجنا الخاص بالاستفادة منها. ومن هنا أقول إن بعض الاقتراحات التي تريد أن تجعل الأمازيغية لغة في بعض الجهات ـ إضافة إلى كونه مجافيا لحقيقة أن الأمازيغة في المغرب ليست محصورة في جهات بعينها، ولحقيقة أنها اللغة الأصلية للمغاربة ـ فإنها تمتاح من نماذج تعيش اليوم إشكالات قاسية في التدبير اللغوي والسياسي، ذهبت في بعضها إلى بروز خطر الانقسام والتفتت.
فلا مناص من التنصيص دستوريا بأن للمغرب لغتين رسميتين على مستوى الوطن. ولتجاوز إشكالات تدبير هذه الثنائية، اقترحت أثناء مناقشة الموضوع في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أن يضيف النص الدستوري بأنه يصدر قانون تنظيمي يحدد مقتضيات وإجراءات تنزيل ذلك.
ما الذي يمكن أن يترتب عن دسترة الامازيغية كلغة رسمية؟
أهم ما سينتج عنه هو إزالة الغبن الذي تشعر به شرائح واسعة من الأمازيغ، عندما يرون أن لغتهم على الرغم من أصالتها وطنيا، وعمق تجذرها في هذا الوطن منذ حوالي ثلاثين قرنا، وكون حوالي نصف المغاربة يتحدثون بها، فهي غير معترف بها دستوريا.
أما عمليا فستصبح الدولة بمختلف أجهزتها ملزمة بإنجاح أوراش النهوض بالأمازيغية. والجميع واع بأن كتابة جميع الوثائق الرسمية ومشاريع القوانين باللغتين ليس أمرا مطلوبا اليوم. لكن وضع الإجراءات لتنضج شروطه في المستقبل هو أمر مشروع من حيث المبدأ، فإن تطبيقه عمليا يحتاج إلى نقاش وطني تتبلور نتائجه لتضمن في القانون التنظيمي المذكور. لكن كيف يسمح بلغة أجنبية هي اللغة الفرنسية بأن يكون لها الجزء الأكبر من ذلك ولا يسمح بذلك، ولو في حدود، للغة الأمازيغية التي هي لغة وطنية؟
ومن هنا فإن الذين يدافعون عن دسترة الأمازيغية بوصفها لغة وطنية مجانبون للصواب. لأنها أصلا لغة وطنية، والتنصيص عليه في الدستور اقرب إلى العبث لأنه تحصيل حاصل. إضافة إلى أن ذلك لن يحل الإشكالات المرتبطة بالنهوض بها. وأغرب ما سمعناه من بعض المدافعين عن هذا الطرح أن الأمازيغية ليست لغة وإنما هي لهجات. وهذا مبني على تجاهل تاريخ الأمازيغية من جهة، وتجاهل حقيقة أن اللهجات الأمازيغية متقاربة فيما بينها، وأن كثيرا من اللغات المشهورة اليوم كانت لهجات فأخرجها أبناؤها من تلك الوضعية لتصبح لغة مكتوبة تصلح لتنقل العلم والمعرفة. وأنوه بجهود المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي بذل جهودا في هذا الاتجاه.
وشكل موضوع دسترة الأمازيغية من عدمه مجالا لتباين الرؤى والمواقف فضلا عن طبيعة تلك الدسترة بين جعلها لغة رسمية أو جعلها فقط لغة وطنية.
لتسليط الضوء على هذا الموضوع اخترنا أحد الوجوه الأمازيغية وفاعل في المجال اللغوي، وهو القيادي الإسلامي المعروف بقناعته بضرورة دسترة الأمازيغية كلغة رسمية الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية.
العثماني أكد في هذا الحوار أن أهم الأسس التي يرتكز عليها دعاة دسترة الأمازيغية كلغة وطنية، اعتراف بأقدم مكون من مكونات الهوية الوطنية. وهو أيضا اعتراف بواقع لا يمكن الاستمرار في إنكاره. وبالتالي فإنه، حسب العثماني، من الضروري أن يعكس الدستور هذا التعدد في مكونات الهوية الوطنية، مضيفا أنه لا يمكننا الحديث عن الديمقراطية وفي نفس الوقت نقصي الأمازيغية ثقافة ولغة عن الاعتراف الدستوري بها.
كيف تقرؤون مطالب اعتماد الامازيغية لغة رسمية للبلاد؟
إنه مطلب قديم نسبيا للحركة الثقافية الأمازيغية، وقد ازداد المطالبون به مع ظهور فشل إدماج الأمازيغية في التعليم، على اعتبار أن عدم وجود مقتضيات دستورية وقانونية تجعل المسؤولين في حل من الالتزام بأي برامج في هذا المجال. وقد ظهر فعلا أن هناك من لم يهتم بإنجاح ورش تعليم الأمازيغية واعتبره عبئا لا واجبا وطنيا.
في اعتقادكم ما هي الأسس التي يعتمدها دعاة الدسترة؟
أهم تلك الأسس أن الأمازيغية لغة وطنية، تحدث بها المغاربة منذ حوالي ثلاثين قرنا، فدسترتها اعتراف بأقدم مكون من مكونات الهوية الوطنية. وهو أيضا اعتراف بواقع لا يمكن الاستمرار في إنكاره، واقع وجود وعمق الثقافة الأمازيغية في بلدنا. وبالتالي فإنه من الضروري أن يعكس الدستور هذا التعدد في مكونات الهوية الوطنية.
ومن تلك الأسس أيضا لا يمكننا الحديث عن الديمقراطية وفي نفس الوقت نقصي الأمازيغية ثقافة ولغة عن الاعتراف الدستوري بها. فالانتقال الديمقراطي المنشود في مغرب اليوم لن يكون سليما وحقيقيا إلا بإقرار البعد الأمازيغي في الدستور والاعتراف فيه باللغة الأمازيغية لغة رسمية باعتبارها مرتكزا رئيسيا في الثوابت الوطنية وجزءا أصيلا وأساسيا من الشخصية المغربية ورافدا من روافدها تاريخيا وثقافيا ولغويا. من تلك الأسس أيضا أن غياب السند الدستوري هو من بين الأسباب الرئيسة لعدم إعطاء الأمازيغية مكانتها ثقافيا وتعليميا وإعلاميا ولغويا حتى الآن، ولعدم نجاح كثير من برامج النهوض بها.
كثيرة هي الدول التي تعتمد أكثر من لغة رسمية لبلدانها لكن هذه اللغات تكون جهوية وتتفق على أن اللغة الرسمية واحدة كيف ترون هذه التجارب كالمطبقة في الهند وإسبانيا؟
الدول التي تتوفر على أكثر من لغة رسمية واحدة كثيرة جدا تبلغ العشرات عبر العالم. لكن تجاربها متنوعة. فهناك فعلا بلدان نصت في دساتيرها على أكثر من لغة رسمية، لكن أقرت بعضها بوصفها لغات جهوية. وذلك مثل إسبانيا حيث اللغة الكتالانية رسمية في إقليم كاتالونيا فقط. وهناك نموذج آخر في بلجيكا حيث للدولة ثلاث لغات رسمية هي: الهولندية والفرنسية والألمانية. وتشير الإحصائيات إلى أن 60% من البلجيك هم من الناطقين بالأولى، و 40% من الناطقين بالثانية بينما ليس هناك اليوم إلا حوالي 1% من الناطقين بالألمانية. وهذا معناه أن هناك عناية بدسترة حتى اللغة التي ينطق بها عدد ضئيل جدا من المواطنين. والأمر غير الصحي في التجربة البلجيكية هو أن الدستور ينص صراحة على أن هناك أربع مناطق لغوية هي: المنطقة اللغوية الهولندية (=الفلامانية)، المنطقة اللغوية الفرنسية، منطقة بروكسيل العاصمة المزدوجة اللغة (فرنسية-هولندية)، والمنطقة اللغوية الألمانية. وعلى الرغم من أن اللغات الثلاثة لغات رسمية متساوية على المستوى الفدرالي، إلا أن كل واحدة منها لغة رسمية وحيدة في منطقتها الرسمية. وهذا ما أدى إلى الصراعات المعروفة بين المنطقة الفلامانية الناطقة بالهولندية، والمنطقة الوالونية الناطقة بالفرنسية.
لكن هذا النموذج للغات رسمية مركزيا والمنفصلة من حيث امتدادها الجغرافي محليا ليس هو الأصل في تعدد اللغات الرسمية. فدستور جنوب إفريقيا ينص على أحد عشر لغة رسمية، لكنه يفرض بالنص الصريح على الحكومة الوطنية والحكومات المحلية استخدام اثنتين على الأقل من تلك اللغات.
وهناك في كندا لغتان رسميان هما الانجليزية والفرنسية. وتنص المادة 16 من الدستور على أن لهما وضعية وحقوق وامتيازات متساوية من حيث استعمالهما في مؤسسات برلمان كندا وحكومتها.
إن وفرة التجارب الدولية في هذا المجال مفيد جدا لأنه سيمكننا من أن ننسج نموذجنا الخاص بالاستفادة منها. ومن هنا أقول إن بعض الاقتراحات التي تريد أن تجعل الأمازيغية لغة في بعض الجهات ـ إضافة إلى كونه مجافيا لحقيقة أن الأمازيغة في المغرب ليست محصورة في جهات بعينها، ولحقيقة أنها اللغة الأصلية للمغاربة ـ فإنها تمتاح من نماذج تعيش اليوم إشكالات قاسية في التدبير اللغوي والسياسي، ذهبت في بعضها إلى بروز خطر الانقسام والتفتت.
فلا مناص من التنصيص دستوريا بأن للمغرب لغتين رسميتين على مستوى الوطن. ولتجاوز إشكالات تدبير هذه الثنائية، اقترحت أثناء مناقشة الموضوع في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أن يضيف النص الدستوري بأنه يصدر قانون تنظيمي يحدد مقتضيات وإجراءات تنزيل ذلك.
ما الذي يمكن أن يترتب عن دسترة الامازيغية كلغة رسمية؟
أهم ما سينتج عنه هو إزالة الغبن الذي تشعر به شرائح واسعة من الأمازيغ، عندما يرون أن لغتهم على الرغم من أصالتها وطنيا، وعمق تجذرها في هذا الوطن منذ حوالي ثلاثين قرنا، وكون حوالي نصف المغاربة يتحدثون بها، فهي غير معترف بها دستوريا.
أما عمليا فستصبح الدولة بمختلف أجهزتها ملزمة بإنجاح أوراش النهوض بالأمازيغية. والجميع واع بأن كتابة جميع الوثائق الرسمية ومشاريع القوانين باللغتين ليس أمرا مطلوبا اليوم. لكن وضع الإجراءات لتنضج شروطه في المستقبل هو أمر مشروع من حيث المبدأ، فإن تطبيقه عمليا يحتاج إلى نقاش وطني تتبلور نتائجه لتضمن في القانون التنظيمي المذكور. لكن كيف يسمح بلغة أجنبية هي اللغة الفرنسية بأن يكون لها الجزء الأكبر من ذلك ولا يسمح بذلك، ولو في حدود، للغة الأمازيغية التي هي لغة وطنية؟
ومن هنا فإن الذين يدافعون عن دسترة الأمازيغية بوصفها لغة وطنية مجانبون للصواب. لأنها أصلا لغة وطنية، والتنصيص عليه في الدستور اقرب إلى العبث لأنه تحصيل حاصل. إضافة إلى أن ذلك لن يحل الإشكالات المرتبطة بالنهوض بها. وأغرب ما سمعناه من بعض المدافعين عن هذا الطرح أن الأمازيغية ليست لغة وإنما هي لهجات. وهذا مبني على تجاهل تاريخ الأمازيغية من جهة، وتجاهل حقيقة أن اللهجات الأمازيغية متقاربة فيما بينها، وأن كثيرا من اللغات المشهورة اليوم كانت لهجات فأخرجها أبناؤها من تلك الوضعية لتصبح لغة مكتوبة تصلح لتنقل العلم والمعرفة. وأنوه بجهود المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي بذل جهودا في هذا الاتجاه.
by محمد الرزوقي
لازال موضوع حرب الريف يثير اهتمام قطاعات عريضة من الرأي العام الإسباني، بسبب الهزة العميقة التي أحدثتها بطولاتها داخل بنية الدولة والمجتمع الإسبانيتين خلال مطلع عشرينيات القرن 20. فهزيمة مدوية مثل ما وقع في أنوال سنة 1921، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين قوة استعمارية غاشمة وبين فرق من المجاهدين الساعين إلى دعم حريتهم وسيادتهم، بقدر ما أنها اعتبرت ثاني أخطر ضربة قاسية لوجود إسبانيا «الإمبراطوري» بعد الهزيمة الكبرى التي ألحقت بها بمستعمرة كوبا سنة 1898. لذلك، فقد اهتم المؤرخون الإسبان بالبحث المسترسل في خبايا حروب الريف التحريرية، بهدف فهم أسرارها وإيجاد المبررات الكفيلة بالاستجابة لنهم «الوعي الشقي» الإسباني الذي لم يستطع قبول كل التفسيرات التقنية التي قدمت لحدث تفوق هؤلاء المقاتلين الريفيين القرويين على القوات العسكرية الإسبانية النظامية المجهزة بأحدث التقنيات والمؤطرة بأكثر العناصر كفاءة وخبرة ميدانية مباشرة. وتزداد مثل هذه النزوعات إلحاحا لدى القوى الحية الإسبانية المعاصرة، بسبب ما أصبح الرأي العام المحلي قادرا على الوقوف عليه من أسرار جرائم ارتكبها الجيش الأسباني ضد الآلاف من المدنيين الأبرياء، وعلى رأسها جريمة قصف التجمعات القروية بالأسلحة الكيماوية والتي تعتبر جريمة حرب بكل المقاييس، لا يمكن أن تسقط مطالب جبرها بالتساقط تحت أي ظرف من الظروف. وقبل ذلك، فالأمر لازال مرتبطا ـ في الكثير من جوانبه ـ بمجمل العقد التاريخية التي أصبحت تطبق بقوة على علاقات الإسبان بجيرانهم المغاربة، عقد مزمنة ساهمت في تكريس رؤى نمطية جاهزة لدى إسبان اليوم تجاه مغاربة اليوم والأمس. فالكثير من القراءات ظلت تستنسخ أحكاما متسرعة وسهلة حول واقع الدولة والمجتمع المغربيين، قراءات مركزية ترفض الإنصات « للأصوات الأخرى « وتأبى إلا أن تنغلق على مركزيتها القاتلة وعلى ذاتها الشوفينية. وخلف هذه الرؤى، توارت الحقائق، وحجبت روايات الزيف صدقية الوقائع. ورغم أن الأمر قد هيمن لفترة زمنية طويلة على مجال النشر والاتصال بإسبانيا، فإن الوضع قد بدأ في التململ بشكل جلي خلال العقدين الأخيرين، تحت وقع تواتر صدور سلسلة من الأعمال الجامعية الرصينة التي استطاعت أن تبتعد عن روح المنجز «الجاهز»، وأن تركب مغامرة البحث والسؤال وفق منطلقات لا ولاء لها إلا للضوابط العلمية المجددة ولأدواتها الإجرائية المعروفة.
في إطار هذا هذا التطور العام، يندرج صدور كتاب «التاريخ السري لحرب الريف ـ المغرب .. الحلم المزعج» لمؤلفه خوان باندو، والذي صدرت ترجمته العربية سنة 2008، في ما مجموعه 475 صفحة من الحجم الكبير، بتوقيع المترجمة سناء الشعيري. وقد سعى الكتاب إلى إعادة مقاربة موضوع حرب الريف من وجهة نظر إسبانية متحررة من ضغط الحمولات التاريخية للمشاكل المزمنة للعلاقات المغربية الإسبانية، بالاستناد إلى رصيد وثائقي غزير ومتنوع، لم يكن الإطلاع عليه متاحا بالنسبة للباحثين خلال الفترات السابقة. لذلك، فهذا الزاد الوثائقي كان منطلقا وجه المؤلف في عمله وأكسبه المواد الأساسية لإعادة اختراق طابوهات ما كان يعرف بـ«كابوس إفريقيا» الذي رسخته هزيمة أنوال الشهيرة في المخيال الإسباني الجماعي خلال الفترة المعاصرة. وقد لخص المؤلف هذا المنحى المنهجي في البحث وفي التنقيب، في كلمة تقديمية تركيبية مركزة، جاء فيها: «... في مجال البحث، أصبحت المشاكل أكثر تعقيدا حينما بدأت سنة 1990، عملية تنقيب مكثفة عن الوثائق، بيد أن الاختفاء أو الإتلاف... مهد الطريق لكارثة أخرى موازية، تتلخص في حرمان هذا المجهود العلمي من ربط اتصال رصين ومعقلن بين الذاكرة الشخصية وبين البيانات الرسمية. وفي هذا الصدد كان للكاتب حظ كبير، إذ عثر في أرشيفات ماورا، على نسخ كاملة من المحادثات التليغرافية التي كانت تجري بين برنكر والفيكونت إيزا، الذي كان وزيرا للحرب في وزارة إينديسلاثار . وكان ماورا عند توليه الحكم في غشت 1921، شديد الحرص على أن تسلم إليه المحادثات شخصيا. وإلى جانب هذه الأخيرة، تمت صيانة محادثات أخرى ربطت برنكر بثيرفا. وهكذا صارت كل هذه المستندات التي لم تنشر بعد، بمثابة رأسمال قوي وفعال بمقدوره أن يكشف عن مجموعة من الحقائق. وانضاف إلى هذا الرصيد، أرشيف آخر لا يقل أهمية عن الأول، وهو بدوره لم ينشر بعد إلى يومنا هذا، يتعلق الأمر بالأرشيف الشخصي للجنرال بيكاسو، الذي ساعد على إعادة بناء طبيعة الأحداث وتسهيل فهمها. ونضيف إلى كل هذا، مخزون الوثائق لعائلة مانيا، والأرشيف الشخصي الجدير بالذكر لدومينكيز يوسا. مع كل هذه الاكتشافات، توضحت الرؤيا جيدا، وظهر قصور الدراسات التي أجريت حول معركة أنوال ونتائجها...» (ص ص. 9 ـ 10).
وبهدف سد ثغرات هذا القصور، سعى خوان باندو إلى توظيف رصيده الوثائقي الغزير، مستنطقا أسراره وكاشفا عن طلاسيمه، بشكل سمح له بإنجاز دراسة قطاعية رائدة لا شك وأنها تعيد تقييم حقيقة قضية حضور حروب الريف التحريرية في الذاكرة المغربية الإسبانية المشتركة. ولتغطية جوانب الدراسة، قسم المؤلف عمله بين سبعة فصول مركزية، وتقديم منهجي، وتصنيف كرونولوجي للوقائع المفسرة لأسرار حرب الريف، ثم سلسلة فهارس خاصة بالوثائق المعتمدة وبالأعلام. وفي كل ذلك، انطلق من ضبط دقيق لموطن الأحداث بمنطقة الريف، ثم بسياقات المواجهات العسكرية الكبرى مثل دهار أبران وأنوال، وأخيرا بمصير «رجال إسبانيا» فوق الأرض المغربية، ممن ركبوا مغامرة الغزو والاحتلال.
إنها كتابة بصيغة مزدوجة، تستقرأ تفاصيل حرب الريف من جهة، وتبحث في واقع إسبانيا الذي صنع هذه الحرب، وتتتبع وقعها على صورة إسبانيا ولدى رجالها وعلى تأثيراتها على الحلم الإمبريالي الإيبيري من جهة ثانية. فهي بذلك، كتابة جريئة، لا تترد في طرح الأسئلة المغيبة عن التداول الإعلامي الإسباني المعاصر للموضوع، اعتمادا على عدة منهجية محترمة وأدوات تنقيبية تأسيسية، لا شك وأنها تساهم في إعادة فتح صفحات حروب الريف التحريرية بشكل يسمح بتحقيق المصالحة الضرورية بين سياقاتها من جهة، وبين مواقف إسبان اليوم من وقائعها من جهة ثانية. وعلى الرغم من بعض المنزلقات التي تنفلت من بين متون الكتاب لأسباب متعددة، فالمؤكد أن العمل يعتبر إضافة هامة لمجال تراكم بيبليوغرافيا حروب الريف التحريرية، ومساهمة متميزة، لابد وأن تؤدي إلى تجديد رؤى الباحثين الإسبان نحو خبايا الموضوع، بعيدا عن الأحقاد الموروثة، وعن الاستنتاجات النمطية، وعن الخلاصات الجاهزة التي طبعت مواقف الإسبان ـ عموما ـ تجاه الكثير من قضايا العلاقات المغربية الإسبانية، قديما وحديثا.
by محمد الرزوقي
إذا كانت حرب الريف تعني أجدادنا بالأساس، فإنها تعنينا نحن أيضا، وبشكل ليس أقل اهتماما أو آلاما. وإذا كانت هذه الحرب تعني أجدادنا على الأصح، فيصعب علي أن أقول عنها الكثير، إلا أنني لازلت أتذكر حجم الألم والحزن الذي خلفته هذه الحرب في نفسية جدي وجدتي على الأقل، وهو ما كان يتجسد في لحظات شرودهما أحيانا، قبل الدخول في حوار غير معلن مع الذات واسترجاع الماضي…
حتى الخوض في ذكريات هذه الحرب كان يدخل في إطار الطابوهات المؤرقة، ما دامت اللغة تبقى غير قادرة على فهم الآثار الحقيقية لانعكاسات هذه الحرب على المشاركين فيها.
ومع مرور السنوات، زرت منطقة الشاون مع والدي، في كثير من المناسبات. حضور الحرب، طبعا، لم يكن فكرة مؤسسة لدي، لكنني قررت الاقتراب من الموضوع، من خلال الدراسة عنه، حيث اكتشفت أن الكثير من الناس، في المغرب واسبانيا، يجهلون تماما تاريخ تلك الحقبة، وكذا الحكاية، في حين كان البعض الآخر على معرفة دقيقة وعميقة بتفاصيل الوقائع، من خلال الإطلاع على الوثائق والكتب والموسوعات. أما الأجيال التي تلت تلك الفترة، بما فيها جيلي، سواء في اسبانيا أو المغرب، فليس لهم علم أو اهتمام بأحداث هذه الحرب.
ومن منطلق القراءة المتأنية والرصينة والحتمية، افترضت أنه من الضروري استحضار السياق الجيوسياسي لتأطير ماجرى. ويمكن القول إن اسبانيا قد وصلت إلى منطقة الريف في إطار نيل نصيبها من الاحتلال، مرغمة بأمر من إنجلترا وفرنسا، وبترخيص دولي للاستعمار، وزج بها في حرب لم يردها ولم يخترها أفراد الجيش الاسباني. وأعتقد أن قرار الحرب كان خطأ، يكفي أن نشير إلى أن نفس الجنود المشاركين في حرب الريف، هم الذين قادوا ونفذوا الانقلاب العسكري في اسبانيا لاحقا.
فقد ضمت كتائب الحرب قطاعا واسعا من معارضي فرانكو، بل منهم من كان يحتل المغرب مكانة عشق واحترام خاصين في قلبه، إذ اعتقدوا أن رحلتهم ستدخل في إطار تنفيذ مهمة حضارية.
لذا أعتقد أن استرجاع هذه “الحكاية المنسية” كتاريخ أزمة وظلم يستهدف تنوير الأجيال القادمة، وإتاحة فرصة ممكنة، أمامهم، للتعرف على ما جرى. وهي حرب، كما سبق أن ذكرت، لم يرغب في خوضها، على الأقل، كثير من الأشخاص الذين اقتيدوا إليها. أنا لست مؤرخا، ولكن الفيلم سيتيح للمهتمين إكمال زوايا الرؤية إلى هذه الحقبة… مع التأكيد على أن الدور الذي سيلعبه هذا الوثائقي هو تحسيس الناس بالموضوع، ومحاولة الإسهام في شرح المفاتيح والأسئلة الأساسية. أعرف جيدا أنه من الصعب اختزال 15 سنة من الحرب في شريط لا يمتد سوى 77 دقيقة. بكل ما تعنيه الحرب من تفاصيل ووقائع، حيث إن كل سنة من الزمن الحقيقي للحكاية كانت تستحق وثائقيا خاصا بها.
في الأخير إن ما حاولت أن أحققه هو أن أقدم معرضا عاما للحرب، دون الضياع في متاهات التفاصيل والجزئيات، والوقوع في خضم من المواجهات والتصادم حول حقيقة ماجرى، ودون أن أدعي النفاذ إلى الأسباب المباشرة التي أدت إلى اندلاع هذه الحرب، لأنني لم أكن هناك.
المهم هو أن جمهور الفيلم، من المغرب وفرنسا واسبانيا، على السواء، سيستمتع بالحكاية وستثيره المشاهدة، ولا يفوتني أن أشيد بتلك اللمسة المبدعة التي أضافها الممثل “إيمنولو أرياس” على الفيلم، التي تجسدت فيه صوتا، سردا، وإيقاعا…
مانويل أوريو
ترجمة: محسن الشركي
كلمة جمعية أمزيان
كيف يمكن إعادة بناء وترميم الذاكرة المشتركة؟ وما هي سبل ربط الحاضر بالماضي لاستشراق المستقبل؟
كيف يمكن للسينما أن تساهم في التنقيب والبحث في ثنايا الماضي والتاريخ الوطني الحافل بالأحداث والمحطات والرموز الوطنية؟ وإلى أي حد نستطيع تضميد جراح الأمس ومفارقات اليوم على نحو يؤسس لمداخل ذاكرة قوية انطلاقا من التاريخ المنسي والمغيب؟
لقد أصبحت العديد من فصول التاريخ المرتبط بذاكرة الريف عبر محطات كثيرة، في أمس الحاجة إلى من يلقي عليها مزيدا من الأضواء وعلى زواياها المعتمة ويميط عنها غطاء النسيان والتناسي والطمس ويحررها من براثين “الأسطرة” والخرافة، كأساس لذاكرة خصوصية وكونية مشرقة.
وتعد فصول وبطولات حرب الريف التحريرية خلال عشرينيات القرن الماضي واحدة من أبرز تجليات شريط الذاكرة الجماعية الوقادة، إلى جانب فصول الحرب الأهلية الإسبانية (1939-1936) التي عرفت إشراك العديد من المغاربة وممن عرفوا بالأفريقانيين.
وإذا كانت الكتابات التاريخية قد عالجت في بعض مستوياتها هذه الأحداث من منظورها الخاص، فإن فيلم “التاريخ المنسي” لمخرجه مانويل أوريو حاول أن يسترجع هذه الأحداث و”الحكايات المنسية” ومعالجتها من منظور آخر ومغاير لكنه يتوخى في جوهره إتاحة فرصة ممكنة “للأجيال القادمة قصد معرفة هذا التاريخ ويتيح أمامهم إمكانية” إكمال زوايا الرؤية إلى هذه الحقبة.
وفي انتظار المصالحة الحقيقية مع الذات والتاريخ والماضي، تبقى كل السبل الثقافية والفنية والمداخل التاريخية والحضارية هي الممكنة من أجل استعادة روح الذاكرة الحية والمشتركة.
by محمد الرزوقي
محمد بن عبد الكريم الخطابي: الرجل القضية
احتار المؤرخون والمهتمون بتاريخ المقاومة الريفية، في فهم حقيقة شخصية المجاهد الخطابي، والسر الكامن وراء انتصاراته الباهرة، خاصة في المجالين العسكري والدبلوماسي.
ولد المجاهد الراحل بقرية أجدير عام 1882م، وكلمة أجدير في الأصل كلمة أمازيغية تطلق على مخزن الحبوب في المطامر، وتقع هذه القرية ذات الموقع الاستراتيجي بالغ الأهمية عند خليج مدينة الحسيمة، بحيث تجعل منها قلعة حصينة منيعة، تجعل المجاهدين الريفيين في مأمن من كل هجمات العدو برا وبحرا وجوا.
بهذه القرية كان يوجد مقر قيادة الخطابي، الذي للأسف الشديد كان ومازال معرضا للإهمال الرهيب، حيث لم تلتفت إليها وزارة الثقافة التي تتسابق لتنظيم مهرجانات فلكلورية تافهة في مختلف مناطق المغرب، والتي تصرف عليها أموالا كان من الأجدر أن توفر لتنمية المناطق الفقيرة بالمغرب ومنها منطقة الريف المجاهدة.
يحكي حياته بنفسه في كتابه ”مذكرات عبد الكريم الخطابي” فيقول:
” إننا من أجدير، ننتمي لبني ورياغل بالريف، مات أبي سنة 1920 وخلف ولدين، أخي سي امحمد وأنا، عشنا طفولتنا بأجدير، وتلقينا تعليمنا بفضل أبينا وعمنا سي عبد السلام، انتقلت بعدها إلى تطوان، ثم فاس، حيث قضيت سنتين بمدرسة العطارين والصفارين، قصد تهييء ولوجي إلى جامعة القرويين.
… عدت إلى أسرتي بالريف لبعض الوقت، ثم توجهت من جديد إلى فاس كي أقيم فيها لمدة ستة أشهر، لكن هذه المرة ليس لأجل الدراسة، بل لإنجاز مهمة سياسية كلفني بها أبي …”.
الجهاد والعلم : متلازمتان في تكوين الخطابي
نشأ الخطابي في عائلة اشتهرت بالعلم، وتولى أبوه القضاء بقبيلة بني ورياغل، والتحق بجامعة القرويين بالعاصمة العلمية للمغرب الأقصى بمدينة فاس، وكان ذلك سنة 1905م، حيث سكن إحدى حجرات مدرسة الشراطين الشهيرة التي بناها المرينيون، وبهذه الحاضرة العلمية، سمحت له الظروف بالاطلاع على المناورات الداخلية والخارجية التي كانت تعصف بالمغرب، وكذا بالتشبع بأفكار ومبادئ الحركة السلفية التي أرسى دعائمها دعاة الإصلاح والنهضة والتجديد، أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمان الكواكبي ورشيد رضا، وكان للخطابي إسهاماته المتميزة في مجال بناء الفكر والنهضة الوطنية المغربية.
الخطابي في مليلية
لجأ محمد عبد الكريم الخطابي إلى مدينة مليلية، حيث كان يشغل منصب قاض، وفي سنة 1914م، عين قاضي القضاة إلى جانب عمله بالصحافة، إذ كان ينشر مقالاته، التي كانت تنم عن إدراكه العميق لما كان يجري من أحداث داخل وخارج المغرب، في جريدة ”Telegrama del Rif” (برقية الريف).
ويحكي المقربون من الأمير الخطابي أن والده وافق على شغل ابنه منصب قاض بمليلية كخطوة أولى تكتيكية لاستعداد الريف لما كان يحاك له من مكائد من طرف الإسبان.
وخلال فترة إقامته، اعتقل بسبب اشتغاله بالسياسة، كما كانوا يدعون، إلا أن الحقيقة كانت هي الضغط على والده الذي كان ضد كل محاولة لسيطرة الإسبان على منطقة الريف، رغم مختلف الإغراءات التي كانت تقدم للخطابي الأب.
وفي محاولة للتخلص من جحيم السجن، حاول الأمير الفرار، لكنه لم ينجح في ذلك، وكاد يفقد ساقه، وفي 1920م، توفي والد الأمير، بسبب السم الذي دس له من طرف أحد العملاء، زعيم قبيلة ”تفرسيت” كما قيل في إحدى الروايات، تاركا المشعل لولده محمد.
معركة أنوال الخالدة
”كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة والله مع الصابرين” الآية. في يوم 25 شوال 1339هـ، موافق 21 يوليوز 1921م، وقعت معركة أنوال الشهيرة، التي تسمى بالموقع الذي جرت فيه، وهو قرية أنوال، وإن كانت أحداثها قد شملت عدة مواقع، بحيث عدت من أكبر المعارك التاريخية التي جرت بين المغرب وإسبانيا، كمعركة الزلاقة أيام المرابطين، ومعركة الأرك في عهد الموحدين… وكان لها صدى كبير في العالم الغربي، لأنها لقنت جنود الاحتلال دروسا لن تنسى إلى الأبد.
خاض المجاهدون الريفيون المعركة وهم بضع مئات في كل موقع، بحيث لم يكن يتعدى العدد الإجمالي ثلاثة آلاف مقاتل، في حين كان عدد جيش الاحتلال ستين ألف جندي مدججين بأحدث الأسلحة الفتاكة. واعتمد المجاهدون على الغنائم التي ربحوها من المحتل، حيث فقد هذا الأخير أسلحة متنوعة وذخائر ومؤنا كثيرة، إضافة إلى نحو ألف أسير من مختلف الرتب العسكرية، كما جن معها جنونهم لفقد 15 ألف جندي ما بين قتيل وجريح.
المقاومة وحرب الغازات السامة
يكتسي موضوع استعمال الغازات السامة من طرف الجيش الإسباني، أهمية بالغة في فضح خبايا الحرب الاستعمارية القذرة، حيث لجأت قوات الاحتلال الإسبانية إلى عدة وسائل انتقامية غير نظيفة، كإحراق منتوج القبائل، عن طريق استعمال الطيران، وإلقاء القنابل دون التفريق بين الأطفال والشيوخ وبين المحاربين، إضافة إلى الحصار الاقتصادي خاصة في فترات الجفاف، ورغم توجيه المجاهد الخطابي نداءات متكررة إلى الرأي العام العالمي بخصوص استعمال الغازات السامة قائلا:
”أيها الأحرار، في مقدرتكم أن تؤنبوا الحكومة الإسبانية التي استعملت الغاز الخانق سيما على النساء والصبيان والبهائم، أعجزت إسبانيا عن المقاومة بغير الغاز الخانق؟ إن هذا يمس بكرامتها وكرامة الأمم المتمدنة… لهذا وإنني بصفتي قائدا عاما للجيوش العاملة في هاته الناحية، أحتج بكل قوة أمام الحق وأمام الدول الإسلامية والأوروبية”، ومع ذلك لم يجد هذا النداء آذانا مصغية، ولم تحرك الدول ”المتمدنة” ساكنا.
ومازالت فضيحة استعمال الغازات السامة المحظورة دوليا، مثار نقاش حاد في المغرب وإسبانيا، حيث تقدم حزب اليسار الجمهوري الكاتالاني في البرلمان الإسباني، بمجموعة من المبادرات الهادفة إلى التعريف بالكارثة التي خلفتها الأسلحة الكيماوية والمواد السامة التي استعملت في معارك الريف الشهيرة.
ورغم مرور 85 سنة على حرب الريف التحريرية، فإن آثار الأسلحة الكيماوية ماتزال بادية للعيان، ولا أدل على ذلك من ارتفاع إصابات سكان منطقة الريف على الخصوص بمرض السرطان، وهذا ما أكدته دراسات علمية وطبية أنجزها متخصصون في المجال.
فهل يعي مسؤولونا الدرس جيدا، ويقدمون العون إلى الجمعيات التي تطالب برد الاعتبار لمنطقة الريف جراء الحيف الذي طالها عقودا طويلة، وهل ستجرؤ إسبانيا على مراجعة أخطائها التي ارتكبتها خلال سنوات الاحتلال.
استسلام الشجعان أو النهاية المحتومة
كانت النهاية إذن محتومة بعد أن استنفذ المستعمر كل ما لديه من قوة وحيلة ووسائل عسكرية قذرة، فاستسلم المجاهد الخطابي للفرنسيين فجر 27 مايو .1926 ويصف المؤرخ الإنجليزي ”روبرت فورنو” هذه اللحظة في كتابه: ”أمير الريف” في كلمات مؤثرة قائلا: (كانت جبال الريف خارج بيت الزعيم الخطابي غارقة في ضوء القمر، وكانت أصداء الحركة تقعقع داخل منزل ابن عبد الكريم، ثم خرج وامتطى صهوة جواده، كان أخوه يركب خلفه وعيناه مرفوعتان إلى العالي، وعندما وصل الزعيم إلى بلدة ” تارجيست” عند الفجر، استقبلهم الجنرال (إيبوس) إلى جانب الكولونيل (كوراب) وحيياه. وفي اليوم التالي لاستسلام القائد البطل، جيء بأسرته وأقربائه ونقلوا مع ابن عبد الكريم وأخيه ووزرائه الباقين وأسرهم إلى مدينة تازة حيث أسكنوهم لعدة أيام قبل نقلهم إلى مدينة فاس، ثم بعد ذلك إلى جزيرة ”لارينيون” بالمحيط الهادي مكان منفاه، حيث قضى أزيد من عشرين سنة بصحبة أسرته بكاملها). وفي عام ,1947 قررت السلطات الفرنسية نقل الخطابي وأسرته إلى فرنسا، وعندما دخلت الباخرة التي كانت تقله، إلى قناة السويس ورست بميناء بورسعيد، التجأ إلى السلطات المصرية فرحبت به القاهرة ملكا وشعبا.
واستأنف نشاطاته السياسية بمصر، حتى بعد استقلال المغرب، وكانت له آراء صريحة وشجاعة في كل القضايا التي تهم المغرب العربي، وحرص السلطان محمد الخامس رحمه الله على زيارته بالقاهرة ليعرب له عن التقدير الذي يكنه له، وليدعوه إلى الرجوع إلى وطنه، ولكن الأقدار الإلهية أبت إلا أن يقضي هذا المجاهد نحبه في مدينة القاهرة يوم 11 رمضان 1383هـ، الموافق 6 نونبر 1963م، وشيعت جنازته في موكب رسمي، كانت في مقدمته شخصيات رسمية من الحكومة المصرية، على رأسها جمال عبد الناصر، وزعماء حركة استقلال الشمال الإفريقي.
كانت هذه واحدة فقط من عصارات العبقرية المغربية التي حققها مجاهدو محمد بن عبد الكريم الخطابي بدمائهم الطاهرة وتركوها تحفة جهادية تتوارثها الأجيال وتحرص على الذود عن قضاياها بكل فخر واعتزاز.
اليوم، تتجه كل الأنظار إلى ما سيسفر عنه قرار الدولة المغربية بخصوص نقل رفات المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي من الشقيقة مصر إلى وطنه، فقد تم تبني هذا الملف من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة، للنظر في مختلف الترتيبات المتعلقة بنقل رفات البطل الشهيد، حيث ينتظر دفنه بمقبرة الشهداء بقرية أجدير مسقط رأسه.
إن مسألة نقل الرفات تهم جميع المغاربة بدون استثناء، والكل يأمل في أن تقوم الدولة والحكومة المغربيتان بإقامة حفل وطني كبير تكريمي يليق بالأمير وإخوانه، وبتاريخهم النضالي والجهادي، إحياء للذاكرة التاريخية للمنطقة، وإعادة الاعتبار تنمويا لمنطقة الريف وساكنتها، عن طريق فك العزلة عنهما، و الإسراع بإحداث متحف يؤرخ للمقاومة الريفية، ويصون ذاكرة المغاربة، إضافة إلى ترميم وإصلاح مقر القيادة الريفية، الموجود بأجدير مسقط رأس المجاهد الخطابي.
لقد غادرنا أمير المجاهدين في المغرب الأقصى محمد بن عبد الكريم بجسده، لكن روحه وفكره وعبقريته ظلت سراجا مضيئا لشعبه خاصة وللإنسانية جمعاء
by محمد الرزوقي
الرباط : عبد الرحيم العلام
ما زالت شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي تجذب إليها الكثير من المؤرخين والباحثين ورجال السياسة والأدب، ممن واكبوا هذه الشخصية التاريخية بالمزيد من الاهتمام والبحث، كتلك التي تناولت شخصيته في أبعادها البيوغرافية والتاريخية والسياسية، سواء داخل، الكتابات الأجنبية حول تلك الشخصية، الفريدة من نوعها. وتبقى الكتب الأجنبية الأعمق من بين مجموع ما كتب عنها إلى حد الآن، وإن كان مجموع ما كتب حقيقتها التاريخية، في انتظار أن تتوسع أيضا دائرة الاستثمار الأدبي لها، في أبعادها التاريخية تحديدا، بمثل ما قام به كتاب وروائيون على مستوى استيحائهم لبعض الشخصيات التاريخية العربية في أعمالهم الأدبية، الروائية والمسرحية تحديدا. كان من آخرها ما قام به بعض الروائيين العرب على مستوى إعادة تمثل سير بعض الشخصيات، من قبيل «المهدي بن تومرت»، مؤسس دولة الموحدية بالمغرب، في رواية بعنوان «الإمام» للروائي المغربي كمال الخمليشي(2005)، وشخصية «الأمير عبد القادر الجزائري» في رواية «كتاب الأمير» للروائي الجزائري واسيني الأعرج(
2005)..
ما زالت شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي تجذب إليها الكثير من المؤرخين والباحثين ورجال السياسة والأدب، ممن واكبوا هذه الشخصية التاريخية بالمزيد من الاهتمام والبحث، كتلك التي تناولت شخصيته في أبعادها البيوغرافية والتاريخية والسياسية، سواء داخل، الكتابات الأجنبية حول تلك الشخصية، الفريدة من نوعها. وتبقى الكتب الأجنبية الأعمق من بين مجموع ما كتب عنها إلى حد الآن، وإن كان مجموع ما كتب حقيقتها التاريخية، في انتظار أن تتوسع أيضا دائرة الاستثمار الأدبي لها، في أبعادها التاريخية تحديدا، بمثل ما قام به كتاب وروائيون على مستوى استيحائهم لبعض الشخصيات التاريخية العربية في أعمالهم الأدبية، الروائية والمسرحية تحديدا. كان من آخرها ما قام به بعض الروائيين العرب على مستوى إعادة تمثل سير بعض الشخصيات، من قبيل «المهدي بن تومرت»، مؤسس دولة الموحدية بالمغرب، في رواية بعنوان «الإمام» للروائي المغربي كمال الخمليشي(2005)، وشخصية «الأمير عبد القادر الجزائري» في رواية «كتاب الأمير» للروائي الجزائري واسيني الأعرج(
2005)..
وبالرغم من ذلك، فإن شخصية الخطابي ظلت مثار اهتمام ومتابعة ورصد من قبل العديد من المؤرخين والباحثين ورجال الإعلام والأدب، لما يتميز به مساره الحياتي من استثناء وقيمة تاريخية مرجعية، في مقاومة المستعمر والمعارك وحرب العصابات.
وأخيرا فقط، صدر كتابان جديدان يرصدان شخصية عبد الكريم الخطابي من زوايا مختلفة ومتكاملة. الأول جماعي، بعنوان «لجوء محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى مصر: الأبعاد والدلالات الوطنية والدولية» (منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2005)، أما الثاني فهو مترجم بعنوان «مذكرات الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي» لروجر ماثيو، نقله إلى العربية عمر أبو النصر (منشورات العباسية، 2005). وإذا كان الكتاب الأول، عبارة عن أعمال الندوة الدولية التي نظمتها المندوبية المغربية بتنسيق مع مؤسسة عبد الكريم الخطابي بمدينة الحسيمة، يتناول بالدراسة والتحليل أربعة محاور أساسية تخص : استمرارية مقاومة الخطابي، وأصداء نزول الخطابي في مصر، وعلاقة الخطابي بزعماء الحركة الوطنية المغربية، والخطابي في الخيال الإبداعي، فإن الكتاب الثاني جاء بدوره في أربعة محاور حول «مذكرات بن عبد الكريم الخطابي، وكيف حارب عبد الكريم فرنسا ولماذا؟ وعبد الكريم وأوروبا، ونهاية الحرب الريفية، عدا مقدمة للمترجم قام فيها بجرد مجموعة من الشهادات الصادرة عن بعض رجال الصحافة الأوربيين من الذين ذهبوا إلى عبد الكريم الخطابي يحاولون الاجتماع به والتحدث إليه في إبان المعارك الحربية بين الريف والإسبان (جريدة «الديلي إكسبريس» الانجليزية، المستر ورد بريس مراسل «الديلي ميل» الإنجليزية، مراسل المورنين بوست، مراسل «التايمز» في طنجة، الكاتب الفرنسي إميل بوري، المارشال ليوطي، المركيز دي سيجو نزاك، المستر كنورثي عضو مجلس النواب البريطاني، جريدة «دويتشه الجمينة تسايتونغ» الألمانية).
ومن بين ما جاء في تلك الشهادات قول المستر كنورثي عن عبد الكريم الخطابي: رجل حرب وزعيم يعرف كيف يجعل الجماهير تنقاد إليه حتى صار الناس في الهند وبغداد والقاهرة يرون فيه رجلا يصلح أن يكون أميرا للمؤمنين وحاملا لسيف الإسلام. فإذا أصبح والحالة هذه في مركز يدعو فيه إلى الجهاد في أفريقية الشمالية وبلاد العرب والأناضول، فإن إنجلترا وفرنسا وإيطاليا تتعرض لأخطار عظيمة، ولا يبعد أن تمس هذه الأخطار دولا أخرى غير هذه أيضا. (ص7). ويتناول الصحافي روجر ماثيو، المحرر العسكري لجريدة «لماتان» الفرنسية الأسباب الأساسية الأولى للحرب الريفية الإسبانية ـ الفرنسية، وما كان لها من نتائج. كما يسوق بعض تصريحات وأقوال محمد بن عبد الكريم الخطابي، بعد أن تمكن ماثيو من تخطي الخطوط الحربية ومقابلته واجتماعه به في الثامن من سبتمبر (ايلول) 1925على ظهر (العبدة)، الباخرة التي أقلت الخطابي إلى منفاه.
ويعتبر ماثيو تصريحات الرجل بمثابة مستندات تاريخية تتناول أمورا هي والحق يقال من أهم مستندات التاريخ في العصر الحاضر. كما يعتبر هذه المذكرات الوحيدة من نوعها في العالم وقد صادق عليها بن عبد الكريم الخطابي، وكتب بخط يده تحتها ما نصه بالحرف: «إني أعترف بأن هذه المذكرات التي ستنشر بإمضاء محرر جريدة «لماتان» هي نفسها التي أملاها شقيقي سي محمد على الكاتب المذكور»(ص37). ومن بين الأسباب التي دفعت ماثيو إلى نشر هذه المذكرات في كتاب قائم كونها تناولت بصراحة وصدق الأسباب الأساسية للحرب، والثقة بالغالب الفرنسي الذي راح يسلم نفسه إليه. وفيها من التصريحات الخطيرة السياسية ومن التهم الموجهة إلى بعض الحكومات والشخصيات البارزة ما حملني على أن أترك مسؤوليتها للأمير عبد الكريم نفسه، وأن أنشرها في كتاب يكون حجة في المستقبل للذين يريدون البحث في أسباب الحرب الريفية ومصائرها ونتائجها، مع المستندات التي تثبت ما نشرته وتؤيد ما رحت أروج لإذاعته.
في هذه المذكرات، نتعرف على جوانب من السيرة الذاتية والسياسية والحربية لفائدة ثورة الريف، بدءا بالحديث عن نشأته في بلدة أجدير، فمرحلة دراسته بتطوان وفاس، فرحلته الثانية إلى فاس لأسباب سياسية هذه المرة، متأثرا في ذلك كله بوالده الذي أخذ عنه الكثير من خططه الحربية وخبرته العسكرية، فذهابه إلى مدينة مليلية، حيث عين معلما بإحدى المدارس، فتعيينه قاضيا لمحكمة مليلية ثم قاضيا للقضاة في المنطقة كلها، فاعتقاله من قبل الإسبان. ثم تتوالى محكيات هذه المذكرات بحسب الأسئلة التي يوجهها الصحافي ماثيو لابن عبد الكريم ولشقيقه السي محمد، وفيها من التوضيحات الشيء الكثير مما يضيء تلك المرحلة الاستثنائية في تاريخ المغرب الحديث، بمعاركها وحروبها وأسبابها ومفاوضاتها ورسائلها ويومياتها، كتلك المتعلقة بحرب الثلاثة أشهر من عام 1925 (مايو، يونيو، يوليو)، بما يوازيها من حديث عن علاقة محمد بن عبد الكريم مع أوربا، مع تركيا وتحديدا مع مصطفى كمال باشا الذي كان معجبا به وبنبوغه وعظمته وجرأته، ومع الإنجليز والإيطاليين، وغيرهم، وصولا إلى تسليم عبد الكريم الخطابي لنفسه ورميه السلاح رحمة بسكان الريف وقبائله من أن تلم بهم ويلات حرب لم يبق فيها أمل، فتذهب بالبقية الباقية منهم، بمن فيهم عائلته التي خاف ابن عبد الكريم أن يصيبها مكروه من بعده. يمكن اعتبار هذا الكتاب من بين أهم المؤلفات البيوغرافية التي تمكنت من لملمة جوانب مهمة من سيرة الخطابي في أبعادها المعروفة وغير المعروفة.
by محمد الرزوقي
أولى هذه المواقف ما كان من طارق بن زياد. البطل الأمازيغي المسلم. غزا الأندلس ومعه اثنا عشر ألفا من البربر وخلق يسير من العرب... وذكر عنه أنه كان نائما وقت عبور البحر في المركب فرأى النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة يمشون على الماء حتى مروا به فبشره النبي بالفتح وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد (الاستقصا، ج1، ص153).
ماذا راح طارق يفعل بالأندلس؟ وفي سبيل ماذا يخاطر بحياته؟ أليس هو البربري الأصيل فلماذا يأتمر بأمر موسى بن نصير العربي الدخيل؟ تساؤلات ضرورية لفهم موقف رجل أمازيغي من عيار طارق من الإسلام الذي اختاره وانتسب إليه.
كان طارق مجاهدا يكرس حياته لنشر الإسلام، أتته البشائر وتلك سيما المخلص الصادق في إسلامه. ولم يكن يتحرز أو يتحرج -كما يتحرج بعض معاصرينا- من الاصطفاف إلى جانب العرب المسلمين لنشر الإسلام، كان في جيشه أكثر من عشرين تابعيا صحبوا وأخذوا عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم: علي بن رباح اللخمي، وزيد بن قاسط السكسكي، وحيوة بن رجاء التميمي، وعلي بن عثمان بن خطاب وغيرهم... (نفح الطيب، ج1، ص288).
ولمن يفقه الدين ولا يقف عند الظواهر نسوق طرفا من حديث نبوي رواه مسلم في صحيحه قال فيه النبي عليه السلام: (.. ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم) حديث رقم 2532.
طارق إذن من تابعي التابعين ممن صحب واقتدى بأتباع من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الدرس الذي تمليه علينا سيرته ويمليه علينا جهاده الخالد: أن نتخذه قدوة في جهاده لنشر الإسلام وحبه للمسلمين أيّا كان معدنهم.
بعد ذلك بسنوات وفي سنة 96 هجرية ظهرت إمارة النكور (أنشأها واحد من الفاتحين المسلمين العرب في شمال المغرب الأقصى وهو يسمى صالح بن منصور الحميري وقد استمرت هذه الإمارة في الوجود حتى قضى عليها المرابطون في القرن الخامس الهجري، وكانت في معظم فترات تاريخها حليفة لدولة بني أمية في الأندلس ومعتمدة عليها) (أطلس تاريخ الإسلام لحسين مؤنس ص179)، ما كان لصالح أن يصنع تاريخا لوحده، ولا لمدينة أن تظهر بإسلامها وتثبت على ذلك عهودا لولا اللحمة الدينية التي جمعت أبناء الريف بالفاتح المسلم وقبلت دعوته، فقد كان صالح داعية للإسلام أوصل دعوته إلى صنهاجة وغمارة وكثير من القبائل.
وشبيه بهذا موقف رجل أمازيغي أصيل من بحبوحة دار الأمازيغ، كان رئيس قبيلته. إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي، وفد عليه إدريس بن عبد الله الكامل (فأقبل عليه إسحاق وأكرمه وبالغ في بره ..فلما دخل رمضان من السنة المذكورة (172هـ) جمع إخوانه وقبائل أوربة فعرفهم بنسب إدريس وفضله وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرفه وعلمه وكمال خلال الفضائل المجتمعة فيه، فقالوا: الحمد لله الذي أتانا به وشرفنا بجواره فهو سيدنا ونحن عبيده نموت بين يديه فما تريد منا؟ قال:تبايعونه، قالوا: سمعا وطاعة. ما منا من يتوقف عن بيعته وما يريد... ثم بعد ذلك أتته قبائل زناتة وأصناف قبائل البربر من أهل المغرب منهم زواغة وزواوة ولماية وسدراتة وغياثة ونفزة ومكناسة وغمارة فبايعوه ودخلوا في طاعته (روض القرطاس ص19-20).
بايعته قبائل أمازيغية إذ وجدت فيه رمز الإسلام لما علمت من شرف نسبه وكرم أخلاقه، فملأ بهيبته القلوب فانجذبت إليه محبة وتعظيما، يكشف ذلك عن تعلق روحي بآل البيت يكنها لهم الأمازيغ. كان مما دعاهم إليه أن قال: (أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى العدل في الرعية والقسم بالسوية..... وإحياء السنة وإماتة البدعة. ونفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد... وفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وفرض قتال المعاندين على الحق والمعتدين عليه... فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر اليد الحاصدة للظلم والجور وأنصار الكتاب والسنة القائمين بحق المظلومين من ذرية النبيئين...) (المغرب عبر التاريخ، ج1، ص116). ما ترددت تلك القبائل عن مبايعته ومناصرته إلى ما دعاهم إليه: تحكيم الكتاب وإحياء السنة ومنع الظلم. فانطلق الأمازيغ معه غزاة مظفرين في البلاد فنشروا الإسلام ووصل إلى آفاق كانت مرتعا للخرافة والرذيلة، وتوطد الأمن وتآخت القبائل وتوحدت بعد عهود من الصراع والنزاع.فظهرت لأول مرة في شمال أفريقيا دولة إسلامية تحمل كل معاني الدولة الحقيقية.
درس ثان نستفيده من أجدادنا زمن إدريس الأول، فما كانت دولة لتتأسس وتصل بالمنطقة إلى ما وصلت إليه لولا موقف الأمازيغ حين قبلوا دعوة المولى إدريس وأيقنوا أن الإسلام هو الضامن للوحدة والعزة والسيادة.. وقد كان..
تمر الأيام وتضعف الدولة لأسباب داخلية أكثر مما هي خارجية، وتمر سنين وعقود والبلاد في متوالية من الصراعات والفتن ويشاء الله أن تبدأ دورة حضارية جديدة في شمال أفريقيا على يد صوفي أمازيغي هو عبد الله بن ياسين تلميذ المربي الصوفي وجاج بن زلو ورفيق الرجل الصالح يحيى بن إبراهيم الكدالي.
في قبيلة لمتونة شرع يعلمهم الدين ويسوسهم بآداب الشرع ويكبحهم عن كثير من مألوفاتهم الفاسدة مثل الزواج بأكثر من أربعة. فاستصعبوا ذلك وتركوا الأخذ عنه.فلما رأى إعراضهم عنه قرر الرحيل فأشار عليه يحيى الكدالي باعتزالهم في رباط يقيمون به للتعبد والتنسك ما بقي من حياتهما إلى جانب سبعة آخرين من كدالة... وتسامع الملثمون بهم فصاروا يتواردون عليهم حتى بلغ عددهم المآت وتقبلوا دعوته عن طواعية واقتناع. وقد سماهم ابن ياسين المرابطين للزومهم رابطته.
وفي سنة 434 هجرية وجه ابن ياسين إنذارا للملثمين وأعيانهم بعد أن وعظهم وحاول إقناعهم باللين حتى يغيروا منكراتهم، فقد كان أمراؤهم يتصرفون في الرعايا بشدة العسف والظلم وحملهم على مقتضى الشهوة والغرض فلم يلتفتوا إلى نصحه فأخضعهم بالقوة، فبدأ بلمتونة وكدالة ثم مسوفة فدخلوا في طاعته وبيعته بعد أن تابوا عما هم عليه.
وفي سنة 447 هجرية وبرغبة من فقهاء سجلماسة دخل إليها فوضع حدا لمظالم بني وانودين وقتل أميرها مسعود بن وانودين، كما استولى على درعة. ثم واصل المرابطون فتوحاتهم وتخليص البلاد ممن يسوس الناس بالقهر والظلم. فأسندت قيادة الجيش إلى يوسف بن تاشفين وقد كان ممن قبل دعوة ابن ياسين عن طواعية وصحبه في رباطه، فزحف إلى السوس فاستولى على تارودانت ثم أغمات فتادلا ثم شرع المرابطون في جهاد البرغواطيين سنة 451 هجرية، أثخنوا فيهم قتلا وتشريدا حتى أعادوهم إلى الإسلام. وهناك استشهد عبد الله بن ياسين (الناصري ص7، المغرب عبر التاريخ، ص158-159-160).
هكذا تنتهي حياة هذا الرجل العظيم وقد أمضى عشرين عاما في الدعوة والجهاد وتربية الرجال.. وقد أتينا بهذا السرد الطويل من تاريخه ملخصا ومن مصادره لنذكّر أن الإسلام كان دائما منبع قوة الأمازيغ وسدى قومتهم ونهضتهم وصانع تاريخهم. ما كانوا يناضلون بعيدا عن الدين ولا كانت مواقفهم تصدر عن غير الإسلام. وهكذا انطلق يوسف بن تاشفين بانيا على هذا الأساس الديني الذي وضعه سلفه ابن ياسين ليشيّد واحدة من أعاظم الدول في تاريخ الإسلام.
ستنهار بعد وفاة يوسف بن تاشفين دولة المرابطين ذات الأساس الديني لأسباب أفاض فيها المؤرخون. فقد اتسع نفوذ الفقهاء ذوي الفكر المتشدد فكرسوا عقلية متحجرة في التفكير والمعتقد وضيقوا على حرية المذاهب، كما تحكمت النساء في كثير من وظائف الدولة. أما الوضع الاجتماعي فقد انحل وطغى الفساد واستشرى البغي والخمر بين الناس وفسدت الأخلاق، أما السلطان فقد انعزل إلى الصلاة والعبادة بعيدا عن هموم رعيته. (ن-م.ص169-170).
ووسط هذا الوضع المتأزم الذي طال كل ميدان كان لابد من رجل يعيد الأمور إلى وضعها الطبيعي، رجل يكرس حياته لبناء ما تهدم، ويجدد في الأمة قوتها وحيويتها. رجل له من قوة الطموح ما يمكنه من الثبات أمام كل العقبات التي قد يصادفها، وله من العلم والبصر بأمور الدين والدنيا ما يؤهله لوضع خطة كفيلة بإخراج البلاد من أزماتها. فكان ذلك الرجل هو: محمد ابن تومرت.. لا يسلم مؤرخو زماننا بنسبه الشريف فهو عندهم بربري أصيل من المصامدة.
ولد محمد ابن تومرت عام 584هـ وشب -كما ذكر ابن خلدون في تاريخه- قارئا محبا للعلم وكان يسمى "أسافو" ومعناه الضياء لكثرة ما كان يسرج من القناديل بالمساجد لملازمتها (ص301، ج6). ورحل إلى المشرق طالبا للعلم فحج ودخل العراق فلقي العلماء وفحول النظار وأخذ عن الأشاعرة (وكان في جملة من لقي من العلماء الذين أخذ عنهم العلم الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه ورحمه، لازمه لاقتباس العلم منه ثلاث سنين، فكان أبو حامد الغزالي إذا دخل عليه المهدي يتأمله ويختبر أحواله الظاهرة والباطنة.فإذا خرج عنه يقول لجلسائه: لابد لهذا البربري من دولة) (روض القرطاس، ص 172).
يثبت المؤرخون ويوثقون صحبة ابن تومرت للغزالي، فلا يبدو لهم من ذلك غير أخذ العلم وإفادة الأفكار فهي عندهم صحبة فكرية ليس إلاّ. فيتجاوزون بذلك أهم مرحلة في تاريخ الرجل: صحبة الغزالي، وما كانت صحبة الأولياء لتذهب سدى خصوصا من رجل أمضى شبابه ملازما للمساجد كابن تومرت. عاد وهو ممتلئ إيمانا ويقينا أن الله ممكنه من بناء دولة إسلامية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وفي طريقه أقام مدة برباط المنستير الصوفي بتونس مع صلحائه.ثم أقام بتلمسان بمسجد العباد وكانت له هيبة وقوة شخصية جذبت الوجهاء وكثيرا من العامة.
كانت مجالس الصلحاء محطات يتزود منها ابن تومرت. ففي كل محطة تربوية يرابط فيها يخرج داعيا وإن تعرض للأذى. فبعد صحبة الغزالي ببغداد وفي رباط أبي سعيد نجده يخرج إلى مصر فيبالغ في الإنكار على ما يخالف الشرع فيتأذى بسبب ذلك. ويتكرر الأمر بعد عكوفه بالمنستير فينطلق إلى بجاية واعظا فيطرده واليها ومن هناك إلى جامع العباد بتلمسان فيجذب بقوة شخصيته أعدادا من الناس فيتصدى له قاضي تلمسان وعبثا كان ذلك التصدي.
هذا جانب من سيرة ابن تومرت يغفل عنه المؤرخون، جانب الصحبة والاقتباس بالمجالسة والمخاللة (والمرء على دين خليله). يكشف مرة أخرى عن أهم البواعث في عملية التغيير، وهي التمسك بالدين والتملؤ من أهله والاستعصام به في مواجهة التحديات. وهكذا قام ابن تومرت بعد أن اجتمع حوله الأنصار من المصامدة وكثروا يربيهم على الإيمان ويحرر لهم العقيدة بالأمازيغية، ويعلمهم الأخذ بطريقة السلف الصالح. وينظمهم تنظيما دقيقا ومحكما لمحاربة المرابطين. ورويدا رويدا حتى تمكن خلفاؤه ومن أبرزهم عبد المومن ثم أبو يعقوب يوسف وولده يعقوب المنصور من تأسيس أعظم دولة في شمال أفريقيا وحّدت المغرب الكبير من برقة شرقا إلى المحيط غربا إضافة إلى الأندلس التي وضعوا فيها حدا لأطماع النصارى. كل ذلك بناء على الأساس الديني الذي انطلق منه ابن تومرت رحمه الله والمتوفى سنة 524هـ.
هذا هو ابن تومرت الرجل الصالح، وصلاحه باد في نفعه للمسلمين بما أسس وخطط له. وبعضهم يقدمه للقراء في صورة دجال سفاك للدماء بغير وجه حق استنادا إلى مرويات تاريخية موجودة في المصادر القديمة. ولكنها لم تنل حقها من الدراسة في التحقيق والترتيب في سياقها. وهذا ما يعطينا صورة مضطربة حول شخصيته. وما يهمنا هو أن ابن تومرت الأمازيغي ومعه المصامدة الأمازيغ أثبتوا كما أثبت أسلافهم أن الإسلام والإيمان وحدهما منبع القوة وضمانة النصر والسيادة.
نتخطى آماد الزمن وقد ظهر فيه مجاهدون أبطال أمازيغ أمثال العياشي ويوسف الفاسي والحسن اليوسي ومقراني... وغيرهم كثير، لنقف عند واحد هو إمام المجاهدين في العصر الأخير ومفخرة المسلمين محمد بن عبد الكريم الخطابي. لننظر في جانب من أهم جوانب حياته، والذي تسكت عنه أغلب دراسات الجيل الجديد سكوت إهمال وتحريف، وهو الجانب الديني، ندرسه لا من حيث تشكيل هويته كمسلم بل لكونه الباعث القوي على قومته وثورته والغاية التي ناضل من أجلها وجاهد. وحتى يكون كلامي موضوعيا فسأكتفي بشهادة مؤلفين لا خلاف حولهم ممن عاصروا الخطابي أو سمعوا ممن عاصروه.
يقول الأستاذ محمد العلمي في كتابه: زعيم الريف: "وفي يوم 15 أكتوبر1920 دخل الجنرال برنغيز إلى الشاون دخولا رسميا على رأس الجيوش الإسبانية فرأى أهل الريف في هذا الحادث مغزى خاصا، واعتبروا أنه بإمكان الجيوش الإسبانية أن تدخل إلى مساجد المسلمين مهما أنها سمحت لنفسها الدخول إلى مدينة الأولياء والصالحين. وفي هذه الظروف وبسبب الدافع الديني قرر عبد الكريم الخطابي (الأب) وهو شيخ هرم محاربة إسبانيا... وهكذا هجمت جماعة من أهل الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي على معسكر تافرسيت الإسباني ولقي حتفه خلال هذا الهجوم". ص20.
كانت الثورة بدافع ديني ذبا عن المقدسات.وكان الإبن محمد بن عبد الكريم مشاركا في هذه المعركة. ثم ما لبث أن بايعه أهل الريف بعد وفاة أبيه. فكيف كان ذلك؟ يجيب الأستاذ العلمي: "وكان أكثر الريفيين أميين ولكن إسلامهم متين يحترمون الفقهاء وعلماء الدين المتخرجين من جامعة القرويين في فاس مثل محمد عبد الكريم الذي أعربوا له عن طاعتهم وولائهم ما دام يدافع عن حرمة الدين والوطن. فمن أجل هذا الهدف انضمت القبائل إلى الثورة" ص26. لنسجل إذن أن انضمام الأهالي إلى الثورة كان بدافع ديني.
ويقول محمد عمر بلقاضي في كتابه: أسد الريف وهو ممن شارك الخطابي في معارك: "وبعد وفاة والده بأيام قليلة برز إلى الميدان وصار يتصل برجال القبائل وأعيانها يبث فيها روح الوطنية الحقيقية التي تتمشى مع الإسلام والشريعة المطهرة ويستدل بالكتاب والسنة في جميع أحاديثه ومواعظه البعيدة المدى، وكان شغله الشاغل هو المصالحة بين الأفراد والجماعات في جميع المد اشر والقرى" ص96.
في سنة 1921 م تداعى أكثر من 500 مجاهد يمثلون قبائلهم إلى إمزورن لحضور مؤتمر دعا إليه الأمير الخطابي.عن هذا المؤتمر يقول محمد عمر بلقاضي: "وحينئذ اقترح الزعيم على الحاضرين بأن يعاهدوا الله على المصحف الكريم على ما يلي:
1- يعاهدون الله على أن يدافعوا عن وطنهم وشرفهم ووحدة ترابهم إلى أن يستشهدوا في سبيل ذلك.
2- بأن يلتزموا بتنفيذ الأحكام الشرعية على كل من صدرت منه جريمة ما ولو كان من أبنائهم وأقربائهم. فقبلوا اقتراحه بالإجماع" ص96.
ويقول الأمير الخطابي في مذكراته التي حررها روجر ماثيو عام 1927م: "الدين هو أقوى الروابط وأمتن علائق المؤاخاة" ص73. يشير بذلك إلى الروح التي وحدت قبائل الريف فثارت ضد الاستعمار. وكأني بواحد من المتحذلقين يعترض بأن سياسة الخطابي ماهي إلا إيديولوجية للتأثير على الأهالي. ولكن من كان له أدنى اطلاع على سيرة الرجل ومواقفه يقطع يقينا بسخافة الاعتراض. وإلى هاهنا ننتهي إلى تحقيق القول بأثر الإسلام في كل النهضات التي عرفها الأمازيغ منذ أن دخلوا فيه واعتنقوه. وإلى القول بأن موقف الأمازيغ من الإسلام من خلال رموزهم وأبطالهم التاريخيين لم يقتصر على الرضى والقبول به كدين وسلوك. بل تعدى إلى اعتباره الأساس الذي انطلقوا منه لصنع التاريخ وتشييد الحضارة.
samedi 2 juillet 2011
by محمد الرزوقي
(أزوول)
كلمة أمازيغ مفرد تجمع على "إيمازيغن" ومؤنثه "تمازغيت" وجمع المؤنث "تمازغيين". ويحمل هذا اللفظ في اللغة الأمازيغية معنى الإنسان الحر النبيل أو ابن البلد وصاحب الأرض، وتعني صيغة الفعل منه غزا أو أغار، ويجعلها بعضهم نسبة لأبيهم الأول "مازيغ".
وقد وردت كلمة "مازيغ" في نقوش المصريين القدماء وعند كتاب اليونان والرومان وغيرهم من الشعوب القديمة التي عاصرت الأمازيغيين.
وتختلف اللهجات ذات الأصول الأمازيغية في نطق هذا اللفظ فهو عند طوارق مالي "أيموهاغ" بقلب الزاي هاء، وعند طوارق منحنى نهر النيجر الغربي "إيموشاغ"، أما في أغاديس بالنيجر فينطقونه "إيماجيغن"، والمقصود بجميع هذه التصحيفات إنما هو "أمازيغ".
أما اسم البربر أو البرابرة فأصله لاتيني ويعني المتوحشين أو الهمجيين، ويظهر أن أول إطلاق له على السكان الأصليين لهذه المنطقة كان من قبل الرومان في غزواتهم المعروفة لبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط. وشاع إطلاق لفظ "البربر" على ألسنة الناس، وإن كان عدد من مثقفي الأمازيغ لا يتبنى هذه التسمية ويرى فيها سلبيات عهود ظلم قديم لحق بالأمازيغي عبر التاريخ.
وقد كان الإغريق يسمون كل من لا يتكلم الإغريقية "برباروس"، واستعاره الرومان وأطلقوه على كل الأجانب ومنهم الأمازيغ الذين كانوا خارجين تاريخيا عن سيادة الرومان، فهي تسمية جاءت من الخارح ولم يخترها الأمازيغ لأنفسهم.
وإذا كانت دلالة مصطلح أمازيغ اللغوية تعني الرجل والإنسان الحر، فإن الدلالة التاريخية تحيل إلى "أمازيغ" الأب الروحي للبربر أو الأمازيغ.
وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون في تحديد نسب الأمازيغ بقوله "والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح وأن اسم أبيهم أمازيغ".
"
يرى البعض أن أصل الأمازيغ يعود إلى أوروبا، إذ ثمة معطيات لغوية وبشرية تشير إلى أن الإنسان الأمازيغي له صلة بالجنس الوندالي المنحدر من ألمانيا حاليا
"
الأمازيغ وإشكالية الأصل
الأمازيغ أو البربر مصطلحان يستعملان في الغالب للدلالة على السكان الأصليين الذين قطنوا شمال أفريقيا.
وتبرز في مجال البحث حول الأصول التاريخية للأمازيغ اتجاهات عديدة:
1- الأصل الأوروبي
أولها أولئك الذين تأثروا باتجاهات المدارس الغربية، ويرون أن أصل الأمازيغ إنما يتأصل في أوروبا، إذ ثمة معطيات لغوية وبشرية تشير إلى أن الإنسان الأمازيغي له صلة بالجنس الوندالي المنحدر من ألمانيا حاليا، وسبق له أن استعمر شمال أفريقيا.
ويستند هذا الطرح إلى وجود تماثلات لغوية بين الأمازيغية ولغة الوندال الجرمانية من جهة، وإلى التشابه الذي يوجد بين بعض ملامح البربر والأوروبيين مثل لون العيون والشعر من جهة أخرى.
وذهب البعض إلى أنهم من نسل الغاليين (gaulois) أو الجرمان الذين أتوا مع الفيالق الرومانية أو الوندال، وهو أمر لا يمكن التسليم به لكون هذا النمط من البربر عاش في تلك المناطق قبل الوجود الروماني.
ومن ناحية أخرى لا يمكن التسليم داخل نفس الأسرة العرقية بذلك للاختلافات الحاصلة من باب التمثيل فقط بين بربر إقليمي القبائل وجبال الأوراس، بين من قامتهم متوسطة أو قصيرة وبينهم عدد كبير من الشقر، وبين أهل "مزاب" مثلا ذوي الشعور والعيون السود، أو بينهم وبين الطوارق.
2- الأصل المحلي
ويميل اتجاه آخر إلى بناء وجهة نظره على بعض الكشوفات الأركيولوجية والأنثربولوجية، إذ يفترض أنه تم العثور على أول إنسان في التاريخ في بعض مناطق أفريقيا (مثل كينيا وبتسوانا)، وبالتالي فالإنسان الأمازيغي لم يهاجر إلى شمال أفريقيا من منطقة ما ولكنه وجد فيها منذ البداية، والإنسان الذي عثر عليه يترجح أن يكون من السكان القدامى.
3- الأصل العربي
ويذهب اتجاه آخر إلى ربط سكان هذه المنطقة بالمشرق وجزيرة العرب، حيث إنهم نزحوا من هناك إلى شمال أفريقيا نتيجة لحروب أو تقلبات مناخية وغيرها.
ونقض ابن خلدون الآراء التي تقول إن البربر ينتمون إلى أصول عربية تمتد إلى اليمن أو القائلة إنهم من عرب اليمن، خصوصا قبائل بربرية مثل "هوارة وصنهاجة وكتامة" أكثر القبائل الأمازيغية ادعاء للعروبة.
وينفي ابن خلدون نسبة البربر إلى العرب عبر اعتبارهم كنعانيين من ولد كنعان بن حام بن نوح، فالكنعانيون ليسوا عربا، وليسوا من أبناء سام.
ويرفض كثير من المعاصرين نسبة البربر إلى العرب، ويؤكدون أن العرق الأمازيغي أحد الأعراق القديمة وأنه سابق للوجود العربي، وذلك استنادا إلى دراسات تفيد بأن أقدم الشعوب فوق الأرض 32 شعبا منها البربر، ولا وجود للعرب آنذاك.
ويميل اتجاه آخر إلى القول باقتران ظهور اللغة الأمازيغية مع ظهور الإنسان القفصي (نسبة إلى قفصة بتونس) في الفترة بين عامي 9000 و6000 قبل الميلاد، وربما هجر الأمازيغ منبت الشعوب الأفراسية (في إثيوبيا وما جاورها) إلى شمال أفريقيا بعد أن دخلت المنطقة الأصل في موجة من التصحر، وتطورت اللغة الأفراسية مع الوقت إلى أمازيغية في شمال أفريقيا.
وفي دراسة للباحث الفرنسي (Dr Ely Le Blanc) كشف أنه من خلال تنوع النمط العرقي يمكن القول إن شعب البربر قد تألف من عناصر غير متجانسة، انضم بعضها إلى بعض في أزمنة تاريخية مختلفة وتفاوتت درجة تمازجها، لكن يبدو من الصعب تحديد الفرع الذي ينتسبون إليه ومن أين أتوا.
ولا يمكن تقرير شيء مؤكد فيما يتعلق بالأصول الأجناسية واللسانية للبربر، ويجب الاكتفاء بالقول إن البربر اسم يطلق على أقدم السكان المعروفين عند بداية الأزمنة التاريخية في الشمال الأفريقي وكانت لهم علاقات بالفراعنة المصريين، أحيانا سلمية وأحيانا حربية.
وهم نفسهم الذين وجدهم الفينيقيون واليونان الذين استقروا في "برقة"، والقرطاجيون والرومان. واللغة التي كانوا يتكلمونها لا تزال هي اللغة التي يتكلم بها عدد من القبائل الأمازيغية اليوم.
وضمن كل هذه الاتجاهات يسعى الأمازيغ إلى التأكيد على استقلالية لغتهم وأصولهم التاريخية باعتبارها رموزا للهوية الأمازيغية.
*و أنا بصراحة مع الاصل الالماني الدي اكده عدد كبي من المؤرخين لأن نحن الامازيغ لا نشبه العرب في لون بشرتهم و لا أعينهم فالعرب بشرتهم سمراء تميل الى الون القمحي انا نحن فبشرتنا بيضاء و لون اعيننا فلي غالب الاحيان بني أو اخضر و كدلك لون الشعر هدا بالنسبة للشلوح الدي انا واحد منهم و عندي كثير من أصدقائي من الريف شعرهم أشقر و هدا يفند الكدبة التي تقول اننا جئنا من اليمن .
تحية امازيغية
كلمة أمازيغ مفرد تجمع على "إيمازيغن" ومؤنثه "تمازغيت" وجمع المؤنث "تمازغيين". ويحمل هذا اللفظ في اللغة الأمازيغية معنى الإنسان الحر النبيل أو ابن البلد وصاحب الأرض، وتعني صيغة الفعل منه غزا أو أغار، ويجعلها بعضهم نسبة لأبيهم الأول "مازيغ".
وقد وردت كلمة "مازيغ" في نقوش المصريين القدماء وعند كتاب اليونان والرومان وغيرهم من الشعوب القديمة التي عاصرت الأمازيغيين.
وتختلف اللهجات ذات الأصول الأمازيغية في نطق هذا اللفظ فهو عند طوارق مالي "أيموهاغ" بقلب الزاي هاء، وعند طوارق منحنى نهر النيجر الغربي "إيموشاغ"، أما في أغاديس بالنيجر فينطقونه "إيماجيغن"، والمقصود بجميع هذه التصحيفات إنما هو "أمازيغ".
أما اسم البربر أو البرابرة فأصله لاتيني ويعني المتوحشين أو الهمجيين، ويظهر أن أول إطلاق له على السكان الأصليين لهذه المنطقة كان من قبل الرومان في غزواتهم المعروفة لبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط. وشاع إطلاق لفظ "البربر" على ألسنة الناس، وإن كان عدد من مثقفي الأمازيغ لا يتبنى هذه التسمية ويرى فيها سلبيات عهود ظلم قديم لحق بالأمازيغي عبر التاريخ.
وقد كان الإغريق يسمون كل من لا يتكلم الإغريقية "برباروس"، واستعاره الرومان وأطلقوه على كل الأجانب ومنهم الأمازيغ الذين كانوا خارجين تاريخيا عن سيادة الرومان، فهي تسمية جاءت من الخارح ولم يخترها الأمازيغ لأنفسهم.
وإذا كانت دلالة مصطلح أمازيغ اللغوية تعني الرجل والإنسان الحر، فإن الدلالة التاريخية تحيل إلى "أمازيغ" الأب الروحي للبربر أو الأمازيغ.
وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون في تحديد نسب الأمازيغ بقوله "والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح وأن اسم أبيهم أمازيغ".
"
يرى البعض أن أصل الأمازيغ يعود إلى أوروبا، إذ ثمة معطيات لغوية وبشرية تشير إلى أن الإنسان الأمازيغي له صلة بالجنس الوندالي المنحدر من ألمانيا حاليا
"
الأمازيغ وإشكالية الأصل
الأمازيغ أو البربر مصطلحان يستعملان في الغالب للدلالة على السكان الأصليين الذين قطنوا شمال أفريقيا.
وتبرز في مجال البحث حول الأصول التاريخية للأمازيغ اتجاهات عديدة:
1- الأصل الأوروبي
أولها أولئك الذين تأثروا باتجاهات المدارس الغربية، ويرون أن أصل الأمازيغ إنما يتأصل في أوروبا، إذ ثمة معطيات لغوية وبشرية تشير إلى أن الإنسان الأمازيغي له صلة بالجنس الوندالي المنحدر من ألمانيا حاليا، وسبق له أن استعمر شمال أفريقيا.
ويستند هذا الطرح إلى وجود تماثلات لغوية بين الأمازيغية ولغة الوندال الجرمانية من جهة، وإلى التشابه الذي يوجد بين بعض ملامح البربر والأوروبيين مثل لون العيون والشعر من جهة أخرى.
وذهب البعض إلى أنهم من نسل الغاليين (gaulois) أو الجرمان الذين أتوا مع الفيالق الرومانية أو الوندال، وهو أمر لا يمكن التسليم به لكون هذا النمط من البربر عاش في تلك المناطق قبل الوجود الروماني.
ومن ناحية أخرى لا يمكن التسليم داخل نفس الأسرة العرقية بذلك للاختلافات الحاصلة من باب التمثيل فقط بين بربر إقليمي القبائل وجبال الأوراس، بين من قامتهم متوسطة أو قصيرة وبينهم عدد كبير من الشقر، وبين أهل "مزاب" مثلا ذوي الشعور والعيون السود، أو بينهم وبين الطوارق.
2- الأصل المحلي
ويميل اتجاه آخر إلى بناء وجهة نظره على بعض الكشوفات الأركيولوجية والأنثربولوجية، إذ يفترض أنه تم العثور على أول إنسان في التاريخ في بعض مناطق أفريقيا (مثل كينيا وبتسوانا)، وبالتالي فالإنسان الأمازيغي لم يهاجر إلى شمال أفريقيا من منطقة ما ولكنه وجد فيها منذ البداية، والإنسان الذي عثر عليه يترجح أن يكون من السكان القدامى.
3- الأصل العربي
ويذهب اتجاه آخر إلى ربط سكان هذه المنطقة بالمشرق وجزيرة العرب، حيث إنهم نزحوا من هناك إلى شمال أفريقيا نتيجة لحروب أو تقلبات مناخية وغيرها.
ونقض ابن خلدون الآراء التي تقول إن البربر ينتمون إلى أصول عربية تمتد إلى اليمن أو القائلة إنهم من عرب اليمن، خصوصا قبائل بربرية مثل "هوارة وصنهاجة وكتامة" أكثر القبائل الأمازيغية ادعاء للعروبة.
وينفي ابن خلدون نسبة البربر إلى العرب عبر اعتبارهم كنعانيين من ولد كنعان بن حام بن نوح، فالكنعانيون ليسوا عربا، وليسوا من أبناء سام.
ويرفض كثير من المعاصرين نسبة البربر إلى العرب، ويؤكدون أن العرق الأمازيغي أحد الأعراق القديمة وأنه سابق للوجود العربي، وذلك استنادا إلى دراسات تفيد بأن أقدم الشعوب فوق الأرض 32 شعبا منها البربر، ولا وجود للعرب آنذاك.
ويميل اتجاه آخر إلى القول باقتران ظهور اللغة الأمازيغية مع ظهور الإنسان القفصي (نسبة إلى قفصة بتونس) في الفترة بين عامي 9000 و6000 قبل الميلاد، وربما هجر الأمازيغ منبت الشعوب الأفراسية (في إثيوبيا وما جاورها) إلى شمال أفريقيا بعد أن دخلت المنطقة الأصل في موجة من التصحر، وتطورت اللغة الأفراسية مع الوقت إلى أمازيغية في شمال أفريقيا.
وفي دراسة للباحث الفرنسي (Dr Ely Le Blanc) كشف أنه من خلال تنوع النمط العرقي يمكن القول إن شعب البربر قد تألف من عناصر غير متجانسة، انضم بعضها إلى بعض في أزمنة تاريخية مختلفة وتفاوتت درجة تمازجها، لكن يبدو من الصعب تحديد الفرع الذي ينتسبون إليه ومن أين أتوا.
ولا يمكن تقرير شيء مؤكد فيما يتعلق بالأصول الأجناسية واللسانية للبربر، ويجب الاكتفاء بالقول إن البربر اسم يطلق على أقدم السكان المعروفين عند بداية الأزمنة التاريخية في الشمال الأفريقي وكانت لهم علاقات بالفراعنة المصريين، أحيانا سلمية وأحيانا حربية.
وهم نفسهم الذين وجدهم الفينيقيون واليونان الذين استقروا في "برقة"، والقرطاجيون والرومان. واللغة التي كانوا يتكلمونها لا تزال هي اللغة التي يتكلم بها عدد من القبائل الأمازيغية اليوم.
وضمن كل هذه الاتجاهات يسعى الأمازيغ إلى التأكيد على استقلالية لغتهم وأصولهم التاريخية باعتبارها رموزا للهوية الأمازيغية.
*و أنا بصراحة مع الاصل الالماني الدي اكده عدد كبي من المؤرخين لأن نحن الامازيغ لا نشبه العرب في لون بشرتهم و لا أعينهم فالعرب بشرتهم سمراء تميل الى الون القمحي انا نحن فبشرتنا بيضاء و لون اعيننا فلي غالب الاحيان بني أو اخضر و كدلك لون الشعر هدا بالنسبة للشلوح الدي انا واحد منهم و عندي كثير من أصدقائي من الريف شعرهم أشقر و هدا يفند الكدبة التي تقول اننا جئنا من اليمن .
تحية امازيغية
vendredi 1 juillet 2011
by محمد الرزوقي
لقد عرفت شمال أفريقيا خلال فترات ما قبل التاريخ تعاقب عدة حضارات أمازيغية:
العصر الحجري القديم الحضارة الآشولية: تعود بقايا هده الحضارة إلى حوالي 700.000 سنة وأهم الاكتشافات تمت بمواقع مدينة الدار البيضاء(مقالع طوما وأولاد حميدة، وسيدي عبد الرحمان...). الأدوات الحجرية الخاصة بهده الحضارة تتكون من حجر معدل، حجر ذو وجهين....
العصر الحجري الأوسط الحضارة الموستيرية:عرفت هده الحضارة في المغرب بين حوالي 120.000و 40.000 سنة ق.م ومن أهم المواقع التي تعود إلى هده الفترة حيث نذكر موقع جبل "يعود" والذي عثر فيه على أدوات حجرية تخص هذه الفــترة (مكاشط...) وكذلك على بقايا الإنسان والحيوان.
الحضارة العاتيرية: تطورت هذه الحضارة في المغرب بين 40.000 سنة و 20.000سنة وهي حضارة خاصة بشمال إفريقيا وقد عثر عليها في عدة مستويات بعدة مغارات على الساحل الأطلسي: دار السلطان 2 ومغارة الهرهورة والمناصرة 1و2....
العصر الحجري الأعلى الحضارة الإيبروموريزية: ظهرت هده الحضارة في المغرب واوروبا مند حوالي 21.000 سنة وتميزت بتطور كبير في الأدوات الحجرية والعظمية. أهم المواقع التي تخلد هده الفترة نجد مغارة تافوغالت والتي تقع في نواحي مدينة وجدة.
العصر الحجري الحديث يلي هدا العصر من الناحية الكرونولوجية الفترة الإيبروموريزية وقد تطور في المغرب حوالي 6000 سنة ق م. تتميز هذه الحضارة بظهور الزراعة واستقرار الإنسان وتدجين الحيوانات وصناعة الخزف واستعمال الفؤوس الحجرية... في المغرب هناك عدة مواقع عثر فيها على هده الحضارة ونذكر مثلا: كهف تحت الغار وغار الكحل ومغارات الخيل ومقبرة الروازي الصخيرات....
عصر المعادن يرجع هدا العصر إلى حوالي 3000 سنة ق.م وأهم مميزاته استعمال معدني النحاس ثم البرونز وأهم خصائصه ما يعرف بالحضارة الجرسية ثم حضارة عصر البرونز.
by محمد الرزوقي
أيها الشعب الامازيغي أخاطبك من هذا الموقع الجديد وأنا بين أحضان هذه الديباجة غير البريئة وقرب هذه البنود الملغمة . أخاطبكم أبنائي بناتي لأخبركم أن ما تعتقدون انه تغير ليس إلا خدعة جديدة من خدع المخزن المغربي .إن وضعي هنا قرب” أيضا ” له أكثر من دلالة إنها تستفزني وتشعرني أنني اقل شانا من العربية أريد أن تخرج من جانبي . أريد أن أكون إلى جانب حرف واحد يضمن لي المساواة ولما لا أكون قبله لكي يحترم منطق التاريخ ولو مرة في حقي ،انه حرف الواو الذي أريده أن يفصلني عن شقيقتي العربية . لقد كانت الصيغة الأولى تجعلني في المقدمة أي قبل حرف الواو فتدخلت القوى الرجعية وغيرت مجرى التاريخ مرة أخرى .
إيمازيغن وتمازيغن عندما سمعتم بدسترتي كلغة رسمية. وضع بعض منكم السلاح أرضا ، ورحبتم بالدستور اعتقادا منكم أنني بلغت مرادي ،انظروا إلى أعدائي من بن كيران والخليفة … كيف حاربوني وأنا في الطريق إلى الدسترة .انظروا كيف تجرأت أقلامهم وألسنتهم السليطة أن تقول أنني لست لغة كباقي اللغات .دافعوا عن عروبتهم بكل الوسائل الممكنة وهددوا بمقاطعة الاستفتاء . و أنتم ماذا فعلتم من أجلي خدعكم المخزن مرة أخرى واعتقدتم أن كل شيء قد انتهى ، ولم تنتبهو لما وراء السطور فقد أضيفت للعربية العناية الخاصة بينما سأنتظر مرسوما تنظيميا يصادق عليه أعدائي في البرلمان لكي أصبح رسمية راشدة .لا تنظروا مني خطابات أخرى لأن ما أقوله الآن أقوله خارج القانون فانا في رأي المنوني وفرقته لا زلت قاصرة لا أستطيع الكلام بمفردي، أنا طفلة صغيرة لن تفهموا كلامي إلا سنة 2035 .شريطة أن تمارسوا ضغوطا كثيرة على المخزن المغربي لكي يسرع في إعداد المرسوم التنظيمي . لقد دفعوا للأحزاب 7 ملايير كتمويل لحملة نعم للدستور. وعندما تحدث العروي وبن عمرو عن رسميتي استحضروا التكلفة المالية التي ستنجم عن ذلك ، كأن المال العام المغربي لا يخصني وليس لي حق فيه . إنني أخشى أن تنتظروا ثلاثة عقود أخرى لأكون جاهزة حسب زعمهم، فيقضى علي دون أن تدروا ذلك .آنا التي أتحدث إليكم رغم أنني لست في وضع جيد داخل هذا المشروع فهناك من فكر في رفض الدستور لمجرد ما ذكرت الرسمية إلى جانبي . لكن كعكة وزارة الداخلية سالت لها لعاب كل الأحزاب العنصرية الرافضة لوجودي هنا ففضلت التريث وأخذ نصيبها وفيما بعد ستعمل على تصفية كل الحسابات معي، من خلال وضع العراقيل في طريقي لكي لا اصل إلى المبتغى .. سيبحثون بعد ذلك عن كل الأعذار المبيحة لوقف عجلتي عن الدوران بدءا بالفتنة والبلقنة والوحدة الوطنية . سيبررون ذلك بالاعتماد على المواقف اللينة لجمعيات المرتزقين بي في الشمال والجنوب في المراكز والهوامش وذلك عندما قررت أن تنضم إلى صف المصفقين . فكروا جيدا قبل أن تسددوا كما قال الحكيم محمد بن عبد الكريم الخطابي. أعدائي يتربصون بي لم يستسيغو أن أكون هنا واصلوا نضالكم لا تستسلموا فمعركة هذا الوطن مع الاستبداد لن تكسبوها بوضعي في هذه الديباجة ، الديمقراطية الحقيقية هي أن نعطي للشعب فرصة لكي يقول ما يريده دون وصاية فوقية .
اقرأ اخر المواضيع على اميلك
ستجد كل المواضيع الجديدة في الاميل الخاص بك+1
Membres
الاكثر تصفحا
-
زروال محمد أيها الشعب الامازيغي أخاطبك من هذا الموقع الجديد وأنا بين أحضان هذه الديباجة غير البريئة وقرب هذه البنود الملغمة . أخاطبكم أبن...
-
طارق العاطفي: 2011-06-30 17:32:00 دعت الحركة الأمازيغية بالريف...
-
لازال موضوع حرب الريف يثير اهتمام قطاعات عريضة من الرأي العام الإسباني، بسبب الهزة العميقة التي أحدثتها بطولاتها داخل بنية الدولة والم...
-
يعتبر الوشم تقليدا طقوسيا عريقا وموغلا في الثقافة الأمازيغية، وغالبا ما يرتبط بالنظام القيمي أو الثقافي لدى المجتمع الأمازيغي الذي مارسه...
-
PAR : http://iguiwaman.blogspot.com تاريفيت أو الريفية هي لهجة أمازيغية شمالية مُتفرعة من اللغة الامازيغية، وتنتشر أساسا في منطقة الريف...
عدد الـــــــزوار
ارشيف المواضيع
-
▼
2011
(25)
-
▼
juillet
(23)
- تاريخ الأمازيغ المنسي: دهيا الأمازيغية: رفضت الخضو...
- لوكيوس أبوليوس ... مثقف أمازيغي... قراءة في رواية ...
- رأس السنة الأمازيغية عادات و تقاليد
- الاوشام الامازيغية
- ...
- PAR : http://iguiwaman.blogspot.com تاريفيت أ...
- إيدير: المغرب الكبير ليس عربيا.. بل أمازيغيّا
- ترسيم الأمازيغية المكاسب والمعيقات
- رسالة مفتوحة من العثماني إلى بنكيران: رجاء دعك من ...
- هل حان الوقت لتأسيس أحزاب أمازيغية؟
- الامازيغ و طقوس الاحتفال برأس السنة الامازيغية
- ابراهيم أمكراز:يبدو أن الوثيقة الدستورية المرتقبة...
- لقد تم حسم مسألة حرف كتابة اللغة الأمازيغية سنة 20...
- العثماني: دسترة الامازيغية اعتراف بواقع لا يمكن إن...
- جمهورية الريف الامازيغية
- «التاريخ السري لحرب الريف»
- التاريخ المنسي ... اسرار حرب الريف
- اسطورة الريف عبد الكريم الخطابي
- الرباط : عبد الرحيم العلام ما زالت شخصية محمد بن...
- موقـف الأمازيغ من الإسلام من خلال أبطالهم التاريخيين
- اصل الامازيغ
- الحضارات الأمازيغية القديمة
- الأمازيغية المدسترة تناديكم
-
▼
juillet
(23)



